الجميع في ليبيا يرفضون “ضريبة السلع”.. فمن فرضها؟

0
153
مصرف ليبيا المركزي
مصرف ليبيا المركزي

يتواصل الجدل السياسي والاقتصادي في ليبيا بشأن قرار فرض ضرائب على عدد من السلع المستوردة، في ظل تبادل الاتهامات داخل مجلس النواب وتزايد الاعتراضات من الحكومة والبلديات وخبراء اقتصاديين، ما يعكس انقساماً واضحاً حول شرعية القرار وتداعياته على الوضع المعيشي للمواطنين.

وفي أحدث فصول هذا الجدل، نفى نائب رئيس مجلس النواب فوزي النويري، اليوم الأربعاء، قيامه بعرض أو إدراج أو اتخاذ أي إجراء يتعلق بقرار فرض الضريبة خلال جلسة المجلس المنعقدة في 13 يناير الماضي، والتي ترأسها عقب مغادرة رئيس المجلس عقيلة صالح.

وقال النويري، في بيان توضيحي، إن المعلومات الواردة في الإيجاز الصحفي الصادر عن رئيس المجلس بشأن تلك الجلسة غير صحيحة، مؤكداً أن الجلسة التي أدارها لم يُطرح خلالها موضوع الضريبة، واقتصرت على البنود المدرجة مسبقاً في جدول الأعمال، وهو ما قال إنه موثق ويمكن التحقق منه عبر تسجيلات الجلسة.

وذكر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، في إيجاز صحفي أن قرار فرض الضريبة صدر خلال جلسة 13 يناير، موضحاً أنه لم يكن حاضراً وقت عرض القرار والتصويت عليه، مضيفاً أنه عقب اطلاعه على مخرجات الجلسة دعا إلى وقف تطبيق الضريبة على السلع الاستهلاكية والضرورية لتجنب تحميل المواطنين أعباء إضافية، مشيراً إلى أنه طلب من محافظ مصرف ليبيا المركزي الالتزام بذلك إلى حين إعادة عرض المسألة على المجلس مجدداً.

في المقابل، اعتبر النويري أن ما ورد في الإيجاز يمثل محاولة واضحة للتنصل من المسؤولية وإلقائها على غير محلها، مؤكداً أن المراسلات والمخاطبات المتعلقة بفرض الضريبة صدرت عن رئيس مجلس النواب نفسه، وبالتالي فإن المسؤولية السياسية والقانونية عنها تقع عليه مباشرة.

ويأتي هذا السجال في وقت أعلن فيه مصرف ليبيا المركزي، في 24 فبراير الماضي، بدء تطبيق ضرائب جديدة على عدد من السلع المستوردة، وذلك تنفيذاً لقرار منسوب إلى مجلس النواب يهدف إلى معالجة الاختلالات المالية المرتبطة بارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية.

وبحسب وسائل إعلام محلية، شملت الضرائب الجديدة مجموعة واسعة من السلع، من بينها المواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية ومواد التنظيف وقطع غيار السيارات، إضافة إلى مواد البناء والملابس والأجهزة المنزلية والإلكترونية، فضلاً عن التبغ والسجائر والسيارات الفارهة، على أن تتراوح نسب الضرائب المفروضة بين 7% و40%.

غير أن القرار لم يمر دون اعتراضات واسعة، إذ أعلنت حكومة الوحدة -آنذاك – رفضها ما وصفته بـ”القرار الأحادي” بفرض ضرائب على السلع المستوردة، معتبرة أن السبب الحقيقي لارتفاع سعر صرف الدولار يعود أساساً إلى الإنفاق الموازي خارج الميزانية المعتمدة.

وقالت الحكومة في بيان إن تنفيذ هذه الإجراءات من شأنه إرباك السوق وتعميق حالة عدم اليقين الاقتصادي، محذرة من أن القرار قد يؤدي إلى تضخم في الكتلة النقدية المحلية دون وجود غطاء إنتاجي أو احتياطي أجنبي كافٍ، فضلاً عن ممارسة ضغوط إضافية على سعر الصرف.

وأكدت أن تحميل السلع المستوردة أعباء ضريبية جديدة لن يعالج أصل الاختلالات الاقتصادية، بل سينعكس مباشرة على الأسعار في السوق المحلية ويزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين.

وعلى المستوى المحلي، دخلت البلديات على خط الجدل، إذ طالب عمداء بلديات طرابلس الكبرى بإلغاء الضريبة المفروضة على بعض السلع بشكل عاجل، داعين إلى إطلاق حوار اقتصادي شامل يضم ممثلين عن القطاعين العام والخاص وخبراء اقتصاديين لبحث بدائل مالية أكثر توازناً.

وجاءت هذه المطالب في بيان مشترك عقب اجتماع عمداء بلديات طرابلس المركز وسوق الجمعة وأبوسليم وعين زارة وحي الأندلس وتاجوراء، حيث ناقش المجتمعون التطورات الاقتصادية الأخيرة، بما في ذلك تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار والضغوط المتزايدة على القدرة الشرائية للمواطنين.

وأكد البيان أن أي قرارات مالية ذات أثر عام يجب أن تصدر ضمن الأطر التشريعية المختصة، محذراً من أن فرض أعباء مالية إضافية في ظل حالة الركود الاقتصادي قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وإضعاف القدرة الشرائية وتعميق حالة التباطؤ الاقتصادي في البلاد.

الجدل لم يقتصر على الخلاف داخل مجلس النواب، إذ اختتم عدد من أعضاء المجلس اجتماعاً عقد مساء الإثنين في مدينة بنغازي بالتوافق على جملة من المواقف، أبرزها التأكيد على عدم قانونية أي ضرائب أو رسوم تُفرض خارج الإطار التشريعي المعتمد.

وجاء الاجتماع استجابة لطلب موقع من 123 نائباً لمناقشة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد في ظل غياب رئيس المجلس عقيلة صالح، وأكد النواب أن أي قانون أو قرار يتعلق بفرض ضرائب أو رسوم على السلع والخدمات إذا لم يصدر عن السلطة التشريعية وفق الإجراءات القانونية المعتمدة فإنه يعد باطلاً بطلاناً مطلقاً ولا يترتب عليه أي أثر قانوني.

كما شدد المجتمعون على أن المصارف التجارية المرخصة هي الجهة الوحيدة المخولة بتوزيع النقد الأجنبي وفق السياسة النقدية المعتمدة، محذرين من أن إسناد هذا الدور إلى شركات صرافة أو كيانات تجارية خاصة قد يؤدي إلى تقويض استقرار النظام المالي وإضعاف الثقة في المؤسسات المصرفية.

ودعا النواب إلى الشروع في توحيد الإنفاق العام ضمن ميزانية موحدة للدولة، بما يضمن إخضاع جميع أوجه الصرف لرقابة تشريعية واحدة ويضع حداً لحالة الازدواج المالي التي تشهدها البلاد.

كما أعلنوا البدء في إجراءات مراجعة اللائحة الداخلية لمجلس النواب وتحديثها بهدف تنظيم آليات عقد الجلسات وتوضيح الصلاحيات وتعزيز الانضباط المؤسسي داخل المجلس.