توطين المهاجرين غير الشرعيين.. كيف تحولت وثائق متداولة إلى قضية رأي عام هزت ليبيا؟

0
138
الهجرة

أعاد ملف الهجرة غير الشرعية واللاجئين إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في ليبيا، بعدما اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية موجة واسعة من الجدل والغضب الشعبي على خلفية تداول وثائق ومنشورات قيل إنها تتعلق بترتيبات من المفوضية السامية للاجئين في ليبيا لتوطين مهاجرين ولاجئين داخل الأراضي الليبية.

وسرعان ما تحولت القضية إلى ملف رأي عام، مع تصدر وسم “لا للتوطين” منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات شعبية بتوضيح حقيقة ما يتم تداوله، والكشف عن طبيعة البرامج التي تنفذها بعض المنظمات الدولية العاملة في ليبيا.

بدأت موجة الجدل بعد تداول وثائق ومنشورات تتحدث عن ترتيبات تتعلق بتقديم خدمات صحية واجتماعية لحاملي بطاقات اللجوء، إلى جانب مزاعم بشأن وجود خطط أو مشاريع قد تؤدي إلى استقرار أعداد من المهاجرين داخل ليبيا.

وأثارت هذه المعلومات حالة من القلق لدى شريحة واسعة من الليبيين الذين عبروا عن مخاوفهم من أن تتحول البلاد إلى وجهة لإعادة توطين المهاجرين واللاجئين، خاصة في ظل استمرار تدفقات الهجرة غير الشرعية عبر الحدود الجنوبية والبحر المتوسط.

ورغم عدم صدور أي وثائق رسمية تؤكد وجود مشروع ليبي أو دولي لتوطين المهاجرين داخل البلاد، فإن الجدل الشعبي دفع مختلف مؤسسات الدولة إلى إصدار بيانات ومواقف متتالية لتوضيح موقفها من القضية.

كانت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة الوحدة الوطنية أولى الجهات التي تفاعلت مع الجدل الدائر، حيث أكدت في بيان رسمي تمسكها بالثوابت الوطنية، وجددت موقفها الرافض لتوطين المهاجرين داخل ليبيا.

وشددت الوزارة على أهمية تحري الدقة في تداول المعلومات وعدم الانجرار وراء الشائعات أو الأخبار غير الموثقة، مؤكدة في الوقت نفسه حق المواطنين في التعبير عن آرائهم بالطرق السلمية والقانونية.

وفي موازاة ذلك، عقدت حكومة الوحدة سلسلة اجتماعات موسعة ضمت وزراء ومسؤولين أمنيين لمتابعة ملف الهجرة غير الشرعية ومراجعة الإجراءات المتخذة بشأنه، مع التأكيد على تعزيز الرقابة وتنفيذ القوانين المنظمة لدخول وإقامة الأجانب.

كما نفت وزارة العمل والتأهيل ما تم تداوله بشأن وجود أي خطط لتوطين المهاجرين أو تخصيص مساكن لهم، مؤكدة أن دورها يقتصر على تنظيم العمالة الأجنبية القانونية وفق التشريعات المعمول بها.

في المقابل، أصدرت الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد بيان بشأن التعامل مع ملف المهاجرين غير النظاميين ومكافحة التوطين، أكدت فيه أن مواجهة الهجرة غير الشرعية والتصدي لمشاريع التوطين والتوطن تمثل أولوية وطنية عليا وقضية سيادية لا تقبل التهاون.

ووجهت الحكومة الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى التفعيل الكامل للقوانين المنظمة لمكافحة الهجرة غير الشرعية ومكافحة توطين الأجانب، مع تكثيف حملات الحصر والضبط والتفتيش ومراجعة أوضاع الأجانب المقيمين داخل البلاد.

كما شددت على أن ليبيا ليست بلداً للتوطين أو إعادة التوطين أو الاستقرار الدائم للمهاجرين المخالفين للقانون، مؤكدة رفضها أي ترتيبات أو تفاهمات تتعلق بالهجرة أو اللجوء يتم تنفيذها دون موافقة السلطات الليبية المختصة.

مجلس النواب الليبي بدوره أعلن رفضه القاطع لأي مشاريع أو ترتيبات تستهدف توطين المهاجرين داخل ليبيا، معتبراً أن أي إجراءات من هذا النوع تمس السيادة الوطنية والتركيبة السكانية للدولة.

وأكد المجلس ضرورة اتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية الحدود الليبية ومواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، مع دعم جهود الأجهزة المختصة في مكافحة شبكات تهريب البشر والاتجار بالأشخاص.

أما المجلس الأعلى للدولة فقد أصدر بياناً رسمياً أكد فيه رفضه أي مشاريع أو تفاهمات من شأنها أن تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى توطين المهاجرين أو إعادة توطينهم داخل ليبيا.

واعتبر المجلس أن أي محاولات لفرض واقع ديموغرافي جديد تمثل مساساً بالهوية الوطنية والخصوصية الاجتماعية للمجتمع الليبي، مؤكداً أن إدارة ملف الهجرة تظل اختصاصاً سيادياً خالصاً للدولة الليبية.
كما دعا المجتمع الدولي إلى دعم ليبيا في مواجهة الهجرة غير الشرعية ومعالجة الأسباب الجذرية للظاهرة في دول المنشأ، بدلاً من تحميل ليبيا أعباء إضافية.

وخلال الأيام الأخيرة عاد الجدل أيضاً بشأن دور المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل ليبيا.
ويرى منتقدون لعمل المفوضية أن وجودها في ليبيا غير قانوني وبدأ في ظروف استثنائية ومؤقتة خلال تسعينيات القرن الماضي، للإشراف على ترحيل عدد من اللاجئين الصوماليين الذين قبلتهم ليبيا في أوائل التسعينيات إلى حين إيجاد دولة تأويهم، وأنها توسعت لاحقاً في منح بطاقات اللجوء وتقديم المساعدات لفئات واسعة من الأجانب.

ويطالب هؤلاء بإنهاء عمل مكتب المفوضية داخل ليبيا لأنه هو من خلق المشكلة وهو من فاقمها بتقديم المنح والمساعدات للعمال الأجانب والمهاجرين العابرين بوصفهم لاجئين وإنشاء هيئة وطنية ليبية تتولى حصرياً إدارة ملف اللجوء والهجرة وفق التشريعات الوطنية.

في المقابل، تؤكد الأمم المتحدة أن المفوضية تعمل في إطار إنساني يهدف إلى حماية اللاجئين وطالبي اللجوء وفق القوانين الدولية وبالتنسيق مع السلطات الليبية.

ورغم الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تشهده ليبيا منذ سنوات، فإن ملف التوطين كشف عن حالة نادرة من الإجماع بين مختلف الأطراف السياسية والمؤسسات الرسمية.

فخلال أيام قليلة فقط، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية، والحكومة الليبية برئاسة أسامة حماد، ومجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، وهيئة الرقابة الإدارية، وعدد من البلديات والأجهزة الأمنية، مواقف متقاربة تؤكد رفض توطين المهاجرين داخل البلاد.

ويعكس هذا الإجماع حجم الحساسية التي يثيرها الملف لدى الشارع الليبي، في ظل المخاوف المرتبطة بالأمن القومي والهوية الوطنية والتركيبة السكانية، خاصة مع استمرار تدفق المهاجرين غير النظاميين عبر الحدود الليبية الممتدة مع دول الجوار.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من الليبيين اليوم: هل تنجح هذه المواقف والقرارات في طمأنة الشارع واحتواء المخاوف المتصاعدة، أم أن ملف الهجرة سيظل أحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل في ليبيا خلال المرحلة المقبلة؟