هل ينجح مسعد بولس في توحيد الفرقاء الليبيين؟

0
175
مسعد بولس
مسعد بولس

تتجدد الرهانات الدولية على إمكانية تحريك الجمود السياسي في ليبيا، مع بروز تحرك كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الذي طرح رؤية تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتعزيز التوافق السياسي بين الشرق والغرب والجنوب، وبناء إدارة اقتصادية شفافة وموحدة.

ورغم أن هذه المحددات ليست جديدة في جوهرها، فإن أهميتها تكمن في توقيتها، ومحاولة واشنطن لعب دور أكثر فاعلية بعد سنوات من إدارة الأزمة أكثر من حلها.

ويكتسب طرح بولس ثقله من كونه لا يفصل بين المسارات، بل يربط الأمن بالاقتصاد بالسياسة في معادلة واحدة، فقد أشار إلى أن التقدم في توحيد المؤسسة العسكرية لا يمكن أن يستمر دون غطاء سياسي، كما أن الاستقرار السياسي لن يتحقق دون إدارة اقتصادية عادلة وشفافة، خاصة في ما يتعلق بعائدات النفط.

وفي هذا السياق، جاء دعم اتفاق الميزانية الموحدة كخطوة عملية، وصفها بأنها “إنجاز تاريخي”، باعتبارها تفتح الباب أمام توحيد السياسة المالية وتخفيف حدة الصراع على الموارد.

كما عززت واشنطن هذا التوجه عبر أدوات ميدانية، أبرزها الدفع نحو تقارب عسكري من خلال مناورات “فلينتلوك”، التي جمعت عناصر من مختلف التشكيلات الليبية، في محاولة لبناء حد أدنى من الثقة بين المؤسسات الأمنية والعسكرية.

ويعكس هذا التحرك إدراكاً أمريكياً بأن الأزمة الليبية لا يمكن حلها عبر المسار السياسي فقط، بل تحتاج إلى بيئة أمنية مهيأة تسمح بترجمة التفاهمات إلى واقع.

لكن، في مقابل هذا الحراك، تعكس مواقف بعض الفاعلين الليبيين قدراً من التحفظ، فقد أشار عضو المجلس الرئاسي الليبي موسى الكوني إلى أن الأزمة تعاني أساساً من “تضخم المبادرات مقابل غياب التنفيذ”، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في نقص الرؤى، بل في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويلها إلى خطوات ملموسة.

ورغم إشادته بالدور الأمريكي في جمع الأطراف ودعم اتفاق الميزانية، فإنه ألمح إلى أن أي نجاح حقيقي يتطلب ضمانات للتنفيذ، وليس مجرد رعاية للحوار.

وقدم الكوني أيضاً قراءة مهمة لطبيعة الصراع، معتبراً أن الخلاف بين الأطراف الليبية “سياسي محدود” ولا يستند إلى انقسام مجتمعي عميق، وهو ما يعني أن الحل ممكن نظرياً، لكنه معطل عملياً بفعل تشابك المصالح وتضارب الحسابات.

كما شدد على ضرورة تمثيل الأقاليم الثلاثة، خاصة إقليم فزان، في أي تسوية قادمة، محذراً من أن تجاهل الجنوب قد يعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.

في الوقت ذاته، يتمسك رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، برفضه لأي مبادرات من شأنها إحداث انفراجة في الأزمة الليبية، بدعوى أنها مبادرات تطيل “عمر الانقسام”، داعياً إلى العودة إلى الشعب والاحتكام إلى إرادته الحرة من خلال إجراء انتخابات تشريعية وتنفيذية جديدة.

وكثّف المنفي اتصالاته بقيادات عسكرية وسياسية في العاصمة طرابلس خلال الفترة الماضية، مدفوعاً بخلافات متصاعدة مع رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، على خلفية مقترح أمريكي يقضي بدمج الحكومتين المتنازعتين على السلطة.

وأعاد المنفي التذكير بأن ليبيا شهدت خلال السنوات الماضية كماً كبيراً من التفاهمات، والتفاهمات المضادة، والمبادرات والاتفاقيات، والشعارات، قائلًا إن كثيراً من هذه المبادرات لم يكن موجهاً إلى حل جذور الأزمة، بل إلى إدارتها بما يضمن بقاءها، وإعادة إنتاجها في صورة جديدة، وتمديد عمر الانقسام، وتدوير النفوذ، وتقاسم الموارد، وترحيل التكلفة إلى جيب المواطن.

في السياق ذاته، تتحرك هانا تيتيه عبر مسار أممي موازٍ يستند إلى “الحوار المهيكل” وتوصيات اللجنة الاستشارية، في محاولة لكسر حالة الانسداد السياسي، وهو توازي مع المبادرة الأمريكية، وقد يشكل عامل دعم، لكنه قد يتحول أيضاً إلى نقطة ضعف إذا لم يتم تنسيقه، خاصة في ظل تجارب سابقة شهدت تعدد المبادرات دون نتائج حاسمة.

في المقابل، لا تخلو الساحة الليبية من معارضة واضحة لهذا التوجه، إذ تتحرك تيارات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، يقودها المفتي المعزول الصادق الغرياني، في اتجاه التشكيك بأي مسار سياسي لا يمر عبر نفوذها، وتتعامل هذه الأطراف مع محاولات إعادة ترتيب المشهد باعتبارها تهديداً مباشراً لمواقعها، لا مجرد اختلاف في الرؤى.

وتتجاوز هذه المعارضة حدود الرفض السياسي التقليدي، إذ تعتمد في كثير من الأحيان على خطاب تعبوي وتحريضي، يسعى إلى نزع الشرعية عن أي تقارب بين الأطراف الليبية، وتصويره كتنازل أو فرض خارجي، كما تستند إلى أدوات تأثير إعلامي وديني تسهم في خلق بيئة من الشك وعدم الثقة، ما يعقّد أي محاولة لبناء توافق وطني واسع.

وهنا تكمن إحدى أبرز معضلات المشهد: فنجاح أي مبادرة لا يتوقف فقط على جمع الفرقاء حول طاولة واحدة، بل على القدرة على تحييد القوى التي تستفيد من استمرار الانقسام، والتي ترى في أي تسوية سياسية خسارة مباشرة لنفوذها، وهذا ما يجعل التحدي الحقيقي أمام بولس ليس في طرح المبادرة، بل في إدارة التوازنات المعقدة المحيطة بها.

إلى جانب ذلك، تظل هناك تحديات بنيوية، مثل استمرار الانقسام المؤسسي، وتضارب الأجندات الإقليمية، وضعف الثقة بين الأطراف، فضلاً عن تأثير الرأي العام الذي أصبح، كما أشار الكوني، متأثراً بشكل كبير بمواقع التواصل الاجتماعي، بما تحمله من معلومات مضللة قد تعرقل أي تقارب.

في المحصلة، تبدو مبادرة مسعد بولس أكثر تماسكا من بعض سابقاتها، لأنها تحاول معالجة جذور الأزمة عبر مسارات متكاملة، وتحظى بدعم دولي نسبي، لكنها في الوقت ذاته تصطدم بواقع ليبي معقد، ومعارضة داخلية فاعلة، وإرث طويل من المبادرات غير المكتملة؛ لذلك، فإن فرص نجاحها ستظل مرهونة بقدرتها على الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى الالتزامات، ومن إدارة الأزمة إلى فرض مسار حل فعلي، يقبله الليبيون قبل أن تدعمه الأطراف الدولية.