سيف القذافي: استقلال ليبيا عام 1951 كان منقوصًا.. وعادت للوصاية الخارجية بعد 2011

0
119
سيف الإسلام القذافي
سيف الإسلام القذافي

قال سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، إن استقلال ليبيا سنة 1951، أنه لم يكن استقلالا حقيقيا مكتمل الأركان، ولا مزيفا بالكامل، بل استقلالا ناقصا فُرضت ملامحه في سياق صراع دولي محتدم، أكثر مما كان نتاج إرادة وطنية ليبية خالصة.

وكتب سيف الإسلام القذافي، مقال على صفحته بموقع فيسبوك بعنوان “استقلال مزيف أم استقلال ناقص” استند فيه إلى وثائق وكتب تاريخية إيطالية ظلت لسنوات طويلة مطموسة وممنوعة من التداول، من بينها كتابا «ليبيا المُخلَّصة» و«من أجل إيطاليا» لمؤلفهما رودولفو غراتسياني، والتي جرى سحبها ومصادرتها حتى داخل إيطاليا نفسها لما تحمله من وقائع صادمة تتناقض مع السردية الرسمية للتاريخ.

وأشار إلى أن هذه المراجع، كما يؤكد عدد من المؤرخين الإيطاليين، إلى تخلي الأمير إدريس السنوسي عن الجهاد وترك عمر المختار والمجاهدين يواجهون مصيرهم، في الوقت الذي اختار فيه الإقامة في القاهرة وإقامة علاقات وثيقة مع البريطانيين، وهو ما مثّل، وفق هذا الطرح، نقطة التحول من المقاومة إلى الحكم، ومن ساحات القتال إلى ما سُمّي لاحقا بالاستقلال.

ويرى سيف الإسلام أن استقلال ليبيا جاء نتيجة صراع بين الكتلتين الشرقية والغربية في ذروة الحرب الباردة، حيث سعت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ومعها إيطاليا، إلى قطع الطريق أمام الاتحاد السوفيتي ومنعه من الحصول على موطئ قدم في جنوب المتوسط. في المقابل، كان السوفييت يدفعون باتجاه فرض الوصاية الدولية بما يسمح لهم بإقامة قواعد عسكرية والوصول إلى ما وصفوه بالمياه الدافئة. ومع تعادل الأصوات داخل الأمم المتحدة، حُسم القرار بصوت واحد فقط، في واقعة عُرفت لاحقا بـ«استقلال الصدفة»، وهو توصيف استخدمه أدريان بيلت، ممثل الأمم المتحدة في ليبيا، وأحد مهندسي ذلك الاستقلال.

وبحسب هذا التصور، فإن الاستقلال لم يكن انتصارا للسيادة الوطنية بقدر ما كان تسوية دولية خدمت المصالح الغربية، إذ أتاح لها إقامة قواعد عسكرية دون تحمل أعباء الوصاية، وضمان السيطرة المستقبلية على الموارد النفطية التي كانت المؤشرات الجيولوجية قد أكدت وجودها منذ أواخر الثلاثينيات، قبل أن يبدأ استغلالها فعليا أواخر الخمسينيات بسيطرة أمريكية وبريطانية شبه كاملة على القطاع.

بعد إعلان الاستقلال، تشكلت دولة ليبية بلا سيادة فعلية، حيث انتشرت القواعد الأمريكية والبريطانية والفرنسية، وتمتع العسكريون الأجانب بحصانة كاملة، بينما تولى مستشارون بريطانيون إدارة مفاصل الدولة، من المالية إلى الجيش، وصولا إلى وجود قاض أمريكي في المحكمة العليا. كما أصبحت الميزانية الليبية معتمدة على المساعدات البريطانية وعوائد إيجار القواعد العسكرية، ما جعل القرار السياسي مرتهنا للخارج.

أما الدستور الليبي، فيرى سيف الإسلام أنه لم يكن نتاجا وطنيا خالصا، بل صيغ بإشراف مباشر من أدريان بيلت وخبراء أجانب، وبوساطة القانوني المصري عمر لطفي، مع دور محوري لإبراهيم الشلحي في تثبيت موقع الملكية، بما يخدم بقاء النظام ويحد من المشاركة الشعبية. ويعتبر أن هذا الدستور، إلى جانب اتفاقيات القواعد، سقط فعليا مع بيان معمر القذافي في ديسمبر 1969، حين أعلن انتهاء الدولة التي وقّعت تلك الاتفاقيات.

ويؤكد النص أن الاستعمار لم ينته بعد 1951، إذ ظل إقليم فزان خاضعا للاحتلال الفرنسي حتى عام 1957، ولم ينسحب الفرنسيون إلا بعد تنازلات إقليمية ليبية عن مناطق غنية بالنفط واليورانيوم. وفي الوقت نفسه، استمر الوجود الاستيطاني الإيطالي في غرب ليبيا، مسيطرا على أراض وممتلكات ومشاريع اقتصادية كبرى، حتى جرى إنهاؤه بعد 1969.

ورغم هذا الواقع، ظهرت معارضة وطنية رافضة للتبعية الأجنبية، تمثلت في شخصيات وجمعيات قومية، جرى قمعها وحلها ونفي رموزها، مع تزوير الانتخابات وإقصاء كل من يُنظر إليه باعتباره معارضا للنفوذ الغربي أو متأثرا بالمد القومي العربي، في ظل خوف النظام الملكي من مصر ودور جمال عبد الناصر.

ويقر سيف الإسلام بأن الملك إدريس كان يواجه واقعا دوليا ضاغطا، وأن خياراته كانت محدودة بين قبول استقلال ناقص أو فقدان فرصة الاستقلال بالكامل، كما يقر بأن وجود القواعد والمستشارين كان شائعا في دول حديثة الاستقلال. غير أن جوهر النقد، وفق هذا الطرح، يتمثل في استمرار التبعية بعد اكتشاف النفط وتحول ليبيا إلى دولة غنية، دون مبرر اقتصادي أو سياسي، مع الإبقاء على القواعد الأجنبية والتغاضي عن الاستيطان الإيطالي في غرب البلاد.

ويخلص النص إلى أن استقلال 1951 كان مرحلة انتقالية، لا أكثر، وأن السيادة الفعلية تحققت عام 1969 بطرد القواعد الأجنبية، وإنهاء النفوذ الاستعماري المباشر، وتحول القرار الليبي إلى قرار وطني مستقل. غير أن هذه السيادة، بحسب سيف الإسلام، تراجعت مجددا بعد 2011، مع عودة القواعد العسكرية الأجنبية وتدخل السفراء في الشأن الداخلي، في تكرار تاريخي يعيد ليبيا إلى دائرة الصراع الدولي نفسها، ويعيد معها أطماع الهيمنة القديمة في الوصول إلى المتوسط والسيطرة على مقدرات البلاد.