شهد ملف القضاء الدستوري في ليبيا تصعيدًا غير مسبوق خلال الأشهر الماضية، في ظل تضارب قانوني ومؤسسي بين المحكمة العليا في طرابلس والمحكمة الدستورية العليا التي فُعّلت في بنغازي، ما أثار جدلاً واسعًا حول الجهة المختصة بالرقابة الدستورية وحدود تدخل السلطات الأخرى ودور بعثة الأمم المتحدة في هذا السياق.
في يوليو الماضي وبعد تفعيل المحكمة الدستورية العليا في بنغازي بموجب القانون رقم (5) لسنة 2023 الصادر عن مجلس النواب، الذي نص على تحويل المحكمة العليا القائمة إلى «محكمة نقض». بدأت الخلافات بعد ما رفضت المحكمة العليا في طرابلس تطبيق هذا القانون، معتبرة أن تنظيم القضاء الدستوري مسألة يختص بها الدستور الدائم وليس سلطة تشريعية انتقالية محدودة الاختصاص، وأصدرت أحكامًا ببطلان القانون لعدم دستوريته، وهو ما اعتبره خصومها تجاهلًا للقانون الصادر عن السلطة التشريعية المخولة.
وقبل أسبوعين أصدرت المحكمة الدستورية العليا في بنغازي أحكامًا تقضي بعدم أحقية المحكمة العليا في طرابلس في النظر بالطعون الدستورية، معتبرة أن الاختصاص انتقل إليها بحكم القانون الجديد. إلا أن المحكمة العليا وجمعيتها العمومية رفضت أيضاً هذا الموقف، مؤكدة استمرارها في ممارسة الرقابة الدستورية باعتبارها اختصاصًا أصيلًا لم يُنزع عنها بدستور دائم، ما أدى إلى صدام بين المؤسستين القضائيتين.
وفي جلسة مجلس النواب التي عقدت الاثنين الماضي، قال رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، إن رئيس المحكمة العليا المستشار عبدالله بورزيزة، يعتبر خصمًا سياسيًا غير محايد ودعا إلى تنحيته، مؤكدًا أن المحكمة العليا لم تعد مختصة بنظر الطعون الدستورية بعد إنشاء المحكمة الدستورية العليا في بنغازي.
ردت الجمعية العمومية للمحكمة العليا ببيان شديد اللهجة، زعمت فيه أن تصريحات رئيس مجلس النواب اعتداءً صريحًا على السلطة القضائية وتهديدًا لركيزة الفصل بين السلطات، محذرة من أن المساس باستقلال القضاء قد يجر البلاد إلى فوضى قانونية ولاشرعية مؤسسية. وشددت على أن المحكمة عريقة حافظت على تماسكها رغم التحولات السياسية، وأن الإعلان الدستوري أخرج تنظيم شؤون القضاء عن اختصاص سلطة التشريع المؤقتة، مؤكدة أن إنشاء محكمة دستورية لا يكون إلا بنص دستوري وليس بقانون صادر عن برلمان انتقالي.
في هذا الإطار، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ترحيبها بجهود الوساطة لحل النزاع، وكشفت عن تشكيل لجنة وساطة تضم قضاة وخبراء قانونيين ليبيين، من بينهم القاضي المتقاعد حسين البوعيشي، والدكتور الكوني عبودة، والقاضي المبروك الفاخري، والمحامي عصام الماوي، بهدف تقديم مقترحات تضمن استمرارية الرقابة الدستورية وصون وحدة القضاء. وأكدت البعثة أن دعمها للجنة جاء بناءً على طلب عدد من المؤسسات الوطنية، وإيمانًا بأهمية الحفاظ على استقلال ونزاهة النظام القضائي.
غير أن المحكمة الدستورية العليا في بنغازي رفضت بشكل قاطع تصريحات البعثة، ونفت وجود ما سمته «نزاعًا قضائيًا دستوريًا»، معتبرة هذا الوصف خاطئًا وخطيرًا، لأنه يعكس وجهة نظر أطراف رافضة لتطبيق القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية. وأكدت أن أي تدخل من البعثة، سواء عبر توصيف الوضع أو دعم لجنة وساطة، يمثل مساسًا بالسيادة الوطنية واعتداءً على مؤسسة قضائية سيادية، مشيرة إلى أنها خاطبت البعثة رسميًا في أكتوبر 2025 لمطالبتها بالكف عن التدخل وسحب العبارات الماسة بالقضاء من إحاطاتها لمجلس الأمن.
وأوضحت المحكمة أن سبب رفضها للجنة الوساطة يعود إلى أن القضاء لا يُدار بالتوافقات أو المفاوضات ولا يخضع لوساطات سياسية أو دولية، وأن أي لجنة تُنشأ خارج الأطر الدستورية والقانونية لا تملك صفة أو ولاية للتدخل في عملها. وأكدت أن القانون رقم (5) لسنة 2023 قانون نافذ وصادر عن السلطة التشريعية المختصة، ولا يجوز الالتفاف عليه أو تعطيله تحت أي ذريعة، وأنها باشرت اختصاصاتها باستقلال وتجرد وفقًا للإعلان الدستوري والقوانين السارية.
على المستوى التنفيذي، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، دعمها للمحكمة العليا في طرابلس، وعلى الجانب الآخر الحكومة المكلفة في بنغازي برئاسة أسامة حماد، ثمنت دور السلطة القضائية التي ظلت مستقلة وموحدة رغم التحديات والانقسام الذي أصاب أغلب مؤسسات الدولة، أكدت أن الشرعية تُستمد من السلطة التشريعية القائمة محذرًا من محاولات حكومة الدبيبة توظيف القضاء في الصراعات السياسية.
في المحصلة، المحكمة العليا ترى أن اختصاصها مستمر إلى حين إقرار الدستور، بينما المحكمة الدستورية العليا في بنغازي تعتبر أن القانون الصادر عن مجلس النواب حسم الأمر. أما بعثة الأمم المتحدة، فترى في الوساطة مخرجًا مؤقتًا لتفادي الانقسام، في حين ترفض المحكمة الدستورية العليا هذا الدور باعتباره تدخلًا غير مقبول في شؤون القضاء، ما يجعل الأزمة مفتوحة على مزيد من التصعيد القانوني والسياسي في المرحلة المقبلة.
- بعد إحالة 122 شركة للتحقيق.. وزارة الاقتصاد الليبية تحدد سعر زيت الطهي

- العراق يخصص طائرة لإعادة أكثر من 152 مهاجراً غير شرعي من ليبيا

- طقس ليبيا الأربعاء: موجة برد وأمطار متفرقة تضرب ليبيا بدءً من اليوم

- اعترافات بلا أدلة.. هل تسقط محاكمة أبو عجيلة المريمي في قضية “تفجيرات لوكربي”؟

- النيابة الليبية تكشف عن تزوير أرقام وطنية بمدينة القبة وتلاحق المتورطين





