زيارة وزير خارجية اليونان إلى طرابلس.. تعاون معلن وأسئلة معلقة حول جدية مكافحة الهجرة

0
183

شكلت زيارة وزير خارجية اليونان جيورجوس غيرابتريتيس، إلى العاصمة الليبية طرابلس محطة سياسية لافتة في سياق العلاقات بين البلدين، خاصة أنها جاءت في وقت يتصدر فيه ملف الهجرة غير الشرعية واجهة الاهتمام الأوروبي، الزيارة حملت في ظاهرها عناوين التعاون والشراكة، لكنها في جوهرها تطرح تساؤلات حقيقية حول جدية هذا التوجه، في ظل تعقيدات المشهد داخل غرب ليبيا.

خلال لقاءات وزير الخارجية اليوناني مع المسؤولين الليبيين، من بينهم رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، إضافة إلى المكلف بتسيير وزارة الخارجية الطاهر الباعور، تم التأكيد على تعزيز العلاقات الثنائية وبحث عدد من الملفات، على رأسها الهجرة غير الشرعية، وترسيم الحدود البحرية، والتعاون الاقتصادي. كما شدد الطرفان على أهمية اعتماد مقاربة شاملة تقوم على تقاسم الأعباء، وتعزيز التعاون الأمني والفني، ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة بما يوازن بين البعد الإنساني والمتطلبات الأمنية.

لكن هذه الطروحات تصطدم بواقع معقد على الأرض، حيث تشير تقارير دولية إلى أن غرب ليبيا، الذي انطلقت منه الزيارة، يعد أحد أبرز مراكز انطلاق الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، وتلعب الميليشيات في هذه المناطق دورا محوريا في إدارة هذا الملف، من خلال السيطرة على مسارات التهريب ونقاط الانطلاق البحرية، فضلا عن تورطها في أنشطة غير مشروعة مثل الاتجار بالبشر وابتزاز المهاجرين.

هذا الواقع يضع علامات استفهام حول جدوى أي تعاون أمني أو فني لا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة القوى المسيطرة فعليا على الأرض، فبدون تفكيك شبكات التهريب ووقف نفوذ المجموعات المسلحة، تبدو أي مقاربة لمكافحة الهجرة غير مكتملة، بل قد تتحول إلى مجرد إجراءات شكلية لا تعالج جذور الأزمة.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن زيارة وزير الخارجية اليوناني إلى غرب ليبيا قد تُفسر سياسيا على أنها انخراط في التعامل مع سلطة تواجه انتقادات بشأن علاقتها ببعض المجموعات المسلحة، وهو ما قد يضعف من مصداقية الخطاب الأوروبي حول مكافحة الهجرة غير الشرعية، فالتعامل مع واقع معقد دون وضع شروط واضحة أو آليات رقابة فعالة، قد يُفهم على أنه تغاضٍ عن دور تلك المجموعات، أو حتى إضفاء شرعية غير مباشرة عليها.

كما أن طرح ليبيا كدولة عبور فقط يتجاهل حقيقة أن الأزمة تتجاوز حدودها، إذ تشكل الهجرة غير الشرعية تحديا مشتركا بين دول المصدر والعبور والوصول، بما في ذلك الدول الأوروبية نفسها. وبالتالي، فإن تحميل ليبيا وحدها عبء المواجهة، دون التزام أوروبي حقيقي بمعالجة العوامل الأوسع، قد يحد من فعالية أي جهود مشتركة.

في المحصلة، تبرز زيارة وزير الخارجية اليوناني إلى طرابلس كخطوة دبلوماسية تحمل أبعادا متعددة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن فجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، خاصة في ملف الهجرة غير الشرعية، وبينما تتحدث الأطراف عن التعاون وتقاسم الأعباء، يبقى التحدي الحقيقي في ترجمة هذه التعهدات إلى إجراءات ملموسة تعالج جذور الأزمة، وتحد من نفوذ الفاعلين غير الرسميين، بما يحقق استقرارا حقيقيا يخدم ليبيا وشركاءها على حد سواء.