في وقت يتحرك فيه العالم بخطوات واسعة لحظر جماعة الإخوان المسلمين، فاجأ رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الجميع بتعيين أحد أبرز منظري الجماعة مستشاراً للمصالحة الوطنية في ليبيا.
لم يكن هذا القرار مفاجئًا تمامًا بالنسبة للبعض، فقد ارتبط المنفي دائمًا بتحالفات وثيقة مع الجماعة المقاتلة والإخوان وزعماء الحركات الجهادية، منذ مشاركته في الكتلة الإرهابية المعروفة باسم “كتلة الوفاء للشهداء”، وحتى تأسيسه للقائمة الحكومية مع عبد الحميد دبيبة، والتي كان الصلابي أحد أبرز مؤسسيها.
وتظهر الصور الأرشيفية تحالف كتلة الوفاء للشهداء، حيث يظهر المنفي مع الإرهابي عبدالوهاب قايد، شقيق زعيم تنظيم القاعدة أبويحيى الليبي، وهو ما سلط الضوء سابقًا على علاقاته الوثيقة مع الشبكات المتطرفة.
ولم يكن ظهور المنفي في الصورة كفاية لتأكيد العلاقة، فهناك مؤشرات أخرى ظهرت منذ تولي المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الشلطة المؤقتة وحتى الآن، تظهر تنامي سلطة التنظيم المدرج على قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة الأمريكية وفي عدد كبير من الدول العربية.
آخر هذه المؤشرات تولي وليد اللافي رئاسة الحكومة الليبية مؤقتًا بعد الوعكة الصحية التي ألمّت برئيسها السابق عبد الحميد دبيبة، الأحد الماضي، حيث ترأس الاجتماع السنوي لمتابعة المشروعات الاستراتيجية ومبادرات رئيس الوزراء، في إشارة واضحة على توليه مهام حكومة الوحدة ومدى ثقله بداخلها.
اللافي، ليس شخصية عابرة في المشهد الليبي. تاريخُه مع الإعلام ومنصاته معروف، إذ سبق تولى إدارة قناة النبأ، القناة الأولى في العالم التي نقلت مؤتمر صحفي مباشر لأمير تنظيم القاعدة في ليبيا محمد الزهاوي، وهي قناة مدرجة على قوائم الإرهاب في عدد من الدول العربية، وعُرفت بتلميع صورة مجلس شورى ثوار بنغازي ومجاهدي درنة، رغم ارتباطهم بتنظيم داعش وممارسة العنف ضد المدنيين.
وسمح توغل اللافي في القنوات الليبية، قدرة كبيرة على السيطرة على الإعلام الليبي وتحويله إلى منصة داعمة للتنظيمات المتطرفة والفكر الإخواني، بالإضافة إلى أنه تاريخه ليس مجرد إدارة إعلامية، بل يمتد إلى تورط ملموس في قضايا فساد وابتزاز مالي وتهريب أسلحة بين 2012 و2019، بالإضافة إلى دعمه لمجلس شورى ثوار بنغازي مالياً ولوجستياً.
كما كشفت تحقيقات سابقة للنيابة العامة الليبية عن تواصله مع جهات أجنبية، بما فيها جهاز المخابرات الإيطالي، لعقد اجتماعات في طرابلس مع شخصيات سياسية واجتماعية بغرض العمل لصالح تلك الجهات مقابل مناصب سيادية، إضافة إلى إنشاء شركات ومكاتب للحوالات المالية والتجارة في السوق السوداء.
ومن تولي اللافي مهامه في مارس ٢٠٢١ أصبح في قلب القرارات المصيرية للحكومة، بما فيها توليه الإشراف على ملف “إصلاح الإعلام”، وهو منصب من المفترض أن يكون حيادياً، لكن بوجود شخصية تاريخها الأسود مع التنظيمات المتطرفة، تصبح عملية الإصلاح مشكوكًا فيها.
ويثير الأمر استغراب الكثير من المواطنين والمراقبين الذين عبروا عن صدمتهم من إعادة شخصيات من هذا النوع إلى صدارة المشهد السياسي، رغم تحذيرات دولية، وتصنيفات أمريكية وإقليمية ضد الإخوان.
تصدر اللافي للمشهد الحكومي تتزامن مع فترة حساسة، حيث يواجه الإخوان ضغوطًا دولية، خاصة من الولايات المتحدة، التي صنفت فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية، وهذا يجعل من الأمر خطوة مثيرة للجدل، وتطرح علامات استفهام حول مصداقية أي مشروع مصالحة وطني يُدار بهذه الطريقة.
ليست المشكلة في اللافي وحده، بل في سياسات عبد الحميد دبيبة السابقة، التي شملت تعيين قادة ميليشيات ومتحالفين مع التنظيمات المسلحة في مناصب حساسة، مثل عبدالسلام الزوبي وكيلا لوزارة الدفاع بحكومة الدبيبة، ومحمد خليل عيسى و”علي محمد اشتيوي”، الذين تم وضعهم في مناصب رسمية داخل وزارة الخارجية ووزارة العدل، ما منح الميليشيات كلمة مباشرة في إدارة الدولة، وتوسيع نفوذ الإخوان والجماعات المتطرفة في مؤسسات الدولة الليبية.
وخلال الأشهر الماضية، برزت مؤشرات واضحة على محاولات جماعة الإخوان إعادة التموضع داخل ليبيا، منها تصريحات للقيادي الإخواني سالم الشيخي، الهارب من بنغازي، أعلن فيها دعم جماعته لعبد الحميد دبيبة ضد ما سماه قوة الردع الخاصة، إحدى أبرز المجموعات المسلحة في طرابلس.
ووصف الشيخي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، المظاهرات المزمع تنظيمها في العاصمة بأنها “مشبوهة” ومرتبطة بالتيار السلفي المدخلي، في اتهام مباشر للتيار الذي يتمتع بنفوذ واسع في بعض المؤسسات الأمنية الليبية.
ويرى مراقبون أن دعم الإخوان لدبيبة يمثل تكتيكاً للالتفاف على مطالب الشارع، وتوجيه الأحداث لصالح مشروعهم السياسي، من خلال مهاجمة خصومهم العقائديين ومحاولة الظهور كضامن للاستقرار، وهو أسلوب مألوف للجماعة منذ سنوات.
ومن أبرز أهداف الإخوان في ليبيا تعطيل المسار الانتخابي، إذ أي انتخابات نزيهة وشفافة تكشف حجمهم الحقيقي في الشارع وتضعف نفوذهم، ولتحقيق ذلك، لجأت الجماعة إلى خلق أزمات أمنية مستمرة، التمسك بالحكومة الحالية، والتلاعب بمفاصل القضاء والإدارة الانتخابية.
كما استغلت أحداثاً مثل مقتل عبد الغني الككلي “غنيوة” لإعادة ترتيب أوراقها والضغط على الفصائل المناوئة، ومن خلال تمكين شخصيات محسوبة عليها، مثل محمود حمزة في مواقع حساسة كإدارة الاستخبارات العسكرية، تمكنت الجماعة من السيطرة على أجهزة الأمن، ما يمنحها القدرة على عرقلة أي استحقاق سياسي قادم.
ويرى مراقبون أن الجماعة تخطط للعودة من الباب الخلفي، من خلال صفقات داخلية ودعم خارجي، مع خلق حالة دائمة من الفوضى، مدعومة بفتاوى الصادق الغرياني لمنح مظهر شرعي لخططهم، وهو ما يعزز قدرتهم على التحايل على المسار الديمقراطي في ليبيا.
وتستغل الجماعة الفوضى الأمنية والانقسام السياسي لإعادة صياغة حضورها العسكري، تحت مسميات جديدة وكيانات سياسية ودعوية، مستفيدة من غياب سلطة مركزية قوية، ناهيك عن استثمار وجودها من خلال أحزاب سياسية، مثل “الديمقراطي” بقيادة محمد صوان، و”ليبيا الوطن” بقيادة عبد الحكيم بلحاج، و”التغيير” بقيادة جمعة القماطي.
باختصار، عودة الإخوان إلى طرابلس ليست مجرد إعادة أسماء إلى المناصب، بل إعادة ترتيب نفوذ واسع داخل الحكومة والمؤسسات الإعلامية والسيادية، ومع سيطرة الشخصيات المرتبطة بالجماعة على الإعلام وإدارة الملفات الحساسة، يصبح السؤال الأبرز: هل المصالحة الوطنية في ليبيا تسعى لإعادة التوازن وتهدئة الصراع، أم أنها تتحول إلى منصة لإعادة إنتاج نفوذ الإخوان داخل الدولة؟
- تحطم طائرة الحداد.. حادث فني أم عملية مدبّرة تُخفيها تعقيدات التحقيق؟

- مباحثات مصرية أمريكية بشأن تطورات الأوضاع في ليبيا

- الإخوان يحكمون السيطرة على طرابلس: المنفي يرد الجميل واللافي ورجاله في مراكز صنع القرار

- طقس اليوم الأربعاء: أجواء معتدلة غرب ليبيا وبرد نسبي شرق البلاد

- عكس الاتجاه: أمريكا تضع الإخوان على قوائم الإرهاب و”الصلابي” مستشاراً للمصالحة الوطنية في ليبيا

- ديوان المحاسبة الليبي يناقش سير العمل بمشروع الطريق الدائري الثالث

- لجنة برلمانية تبحث أوضاع الليبيين المسجونين في الخارج وتكشف أحدث الإحصاءات

- ليبيا تشارك في اجتماع الدورة الـ72 للمكتب التنفيذي لمجلس وزراء الشباب والرياضة العرب

- “حفتر” يناقش مع رؤساء الأركان العامة آخر المستجدات العسكرية والأمنية

- ليبيا.. الجهاز الوطني للتنمية يستقبل وفدًا من جهاز الاستثمار العماني لبحث التعاون المشترك

- مصرف ليبيا المركزي: الإيرادات النفطية الموردة منذ بداية يناير 287 مليون دولار فقط

- الأمم المتحدة تطلق تقريرًا حول ديناميكيات الاتجار بالمخدرات في ليبيا وشمال أفريقيا

- رئيس مؤسسة النفط الليبية يبحث مع ديوان المحاسبة ميزانية 2026 والتزامات الأعوام السابقة

- المركزي الليبي يحذر من ضغوط متزايدة على الاستقرار النقدي وسعر الصرف

- الحكومة الليبية المكلفة تعتمد قرارات لمعالجة أوضاع العاملين وتحيلها إلى ميزانية 2026




