فوربس: الدبيبة يراهن على أوكرانيا لإعادة رسم توازنات القوة داخل ليبيا

0
171
رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد دبيبة
رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة

كشف تقرير تحليلي موسع للكاتب بول إيدون، كبير المساهمين في مجلة فوربس، عن تفاصيل عملية عسكرية معقدة يُعتقد أن أوكرانيا نفذتها ضد ناقلة غاز روسية في عرض البحر انطلاقا من الأراضي الليبية، في واحدة من أكثر العمليات جرأة خارج ساحة الحرب المباشرة بين كييف وموسكو، وسط ما يعكسه ذلك من تحولات أوسع في تموضع حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة داخل مشهد إقليمي ودولي شديد التشابك.

بحسب التقرير، فإن ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية “أركتيك ميتاغاز” التي ترفع العلم الروسي، وتندرج ضمن ما يعرف بـ”الأسطول الظل” الذي تستخدمه موسكو للتحايل على العقوبات الغربية، تعرضت في 3 مارس لهجوم يُشتبه بأنه نفذ عبر طائرات مسيرة بحرية. وأسفر الهجوم عن أضرار كبيرة واندلاع حريق ضخم، بينما انحرفت السفينة باتجاه السواحل الليبية وظلت طافية دون أن تغرق، فيما تم إنقاذ جميع أفراد طاقمها البالغ عددهم 30 شخصا.

التقرير أشار إلى أن السفينة كانت تنقل نحو 61 ألف طن من الغاز، وأنها تعرضت لانفجارات مفاجئة تسببت في أضرار جسيمة، قبل أن تتحول إلى هيكل محترق عائم في البحر المتوسط، في حادث وصف بأنه من أكثر الضربات تأثيرا على مصالح روسيا البحرية المرتبطة بتمويل حربها في أوكرانيا.

وبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس لاحقا، فإن خبراء أوكرانيين في تشغيل الطائرات المسيرة كانوا يعملون انطلاقا من قواعد عسكرية في غرب ليبيا، الخاضعة لحكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة، ويتركز وجودهم في قاعدة جوية بمدينة مصراتة، إضافة إلى عناصر آخرين في طرابلس وزاوية.

ليبيا منذ سنوات منقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وبين “الجيش الوطني الليبي” بقيادة خليفة حفتر في الشرق، وقد خاض الطرفان حربا أهلية انتهت بوقف إطلاق نار عام 2020 ما يزال صامدا نسبيا حتى اليوم. وفي هذا السياق، شارك الطرفان في مناورات عسكرية أمريكية تحت اسم “فلينتلوك 2026” داخل الأراضي الليبية، في إشارة إلى محاولات تقارب عسكري تدريجي.

التقرير أوضح أن عمليات أوكرانيا الخارجية السابقة في دول مثل السودان اعتمدت غالبا على طائرات مسيرة صغيرة محمولة، بينما الهجوم الأخير على ناقلة الغاز الروسية تم باستخدام مسيرات بحرية أكبر وأكثر تطورا، مشابهة لتلك التي استخدمتها كييف ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود.

ويرى التقرير أن السماح بوجود عناصر أوكرانية داخل ليبيا لم يكن قرارا بسيطا أو مباشرا، بل جاء ضمن تعقيدات سياسية وأمنية داخلية. فروسيا تحتفظ بوجود عسكري في شرق ليبيا وتدعم قوات حفتر، بينما تسعى حكومة طرابلس إلى تعزيز علاقاتها مع الغرب وتحديدا الولايات المتحدة وحلف الناتو وتركيا.

ونقل التقرير عن الباحث في الشأن الليبي جلال الحرشاوي، المرتبط بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة، أن ظهور مقاتلين روس قرب طرابلس عام 2019 دفع الناتو إلى تبني موقف واضح بعدم السماح بتمدد موسكو نحو العاصمة، وهو ما أسهم في تدخلات إقليمية ودولية لاحقة. وأضاف أن هناك مؤشرات على وجود نشاط أوكراني غير مباشر في ليبيا منذ عام 2023 بدعم محتمل من أطراف غربية.

كما أشار إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية طورت خلال الفترة الأخيرة علاقة تعاون مع نائب وزير الدفاع في حكومة طرابلس عبد السلام زوبي، ضمن برامج تدريب لوحدات نخبة، ما قد يكون ساهم في خلق بيئة تسمح بوجود مجموعات أوكرانية صغيرة في محيط العاصمة.

وبحسب التحليل، فإن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة واجه ضغوطا سياسية وأمنية كبيرة بين مايو وديسمبر 2025، بسبب الصراع مع حفتر والتوترات الداخلية، إضافة إلى تعقيدات العلاقة مع تركيا الداعم التقليدي لحكومة طرابلس. هذا الوضع دفعه إلى محاولة تعزيز موقعه أمام الناتو والولايات المتحدة وإظهار نفسه كطرف مناهض لروسيا في مقابل خصمه الشرقي، وهو ما ينسجم مع مسار التقارب المتزايد مع أوكرانيا.

التقرير يوضح أن هذا التقارب بين طرابلس وكييف فتح المجال أمام شركات أوكرانية متخصصة في تطوير الطائرات المسيرة للعمل داخل ليبيا، مقابل تقديم خبرات تدريبية وتقنية، وهو ما وفر لأوكرانيا فرصة تنفيذ عمليات خارج حدودها ضد المصالح الروسية في إفريقيا.

ويشير التحليل إلى أن صناعة الطائرات المسيرة في أوكرانيا تطورت بشكل كبير منذ بداية الحرب مع روسيا عام 2022، لتصبح كييف واحدة من أبرز الدول في هذا المجال، سواء في الطائرات الانتحارية الصغيرة أو المسيرات البحرية الكبيرة.

لكن العملية التي استهدفت ناقلة الغاز الروسية في مارس، بحسب التقرير، كانت أكثر اتساعا وجرأة مما اعتادته العمليات السابقة، ما أدى إلى تداعيات دبلوماسية كبيرة، خاصة بعد أن ظلت السفينة تطفو لأيام طويلة في البحر المتوسط، قبل أن تصل إلى قرب السواحل الليبية، ما جذب اهتماما إعلاميا واسعا.

وفي سياق متصل، عقد رئيس حكومة الوحدة الوطنية اجتماعا مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أبريل 2026 على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، وسط توقعات بأن الدبيبة قدم توضيحات أو اعتذارا غير معلن عن الحادث، خاصة مع حساسية العلاقات مع موسكو.

ويخلص التقرير إلى أن السماح بوجود عمليات أوكرانية بهذا الحجم من داخل الأراضي الليبية قد يكون تطورا غير محسوب العواقب، إذ أدى إلى إحراج سياسي كبير لحكومة طرابلس، وربما يحد من استمرار هذا النوع من التعاون مستقبلا، خاصة مع تصاعد التوترات الدولية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية وتوسعها خارج حدودها التقليدية.