تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية.. ليبيا إلى أين؟

0
165
علم ليبيا
علم ليبيا

تتزايد التحذيرات الأممية بشأن المسار الذي تسلكه ليبيا في ظل استمرار الانقسام السياسي وتراجع الأوضاع الاقتصادية وهشاشة الوضع الأمني، وسط مخاوف من تداعيات قد تعصف بوحدة الدولة واستقرارها. فقد أكدت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، أن التدهور الاقتصادي واتساع رقعة الفقر والضغط المتزايد على المجتمع، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني، تمثل عوامل مقلقة قد تقود إلى تحديات سياسية وأمنية غير متوقعة.

وشددت تيتيه على أن هذه التطورات تعكس الحاجة الملحة للعمل مع الليبيين عبر خارطة الطريق السياسية لمعالجة جوهر الأزمة، والمتمثل في استمرار وجود حكومة منقسمة وضعف التنسيق بين المؤسسات، فضلا عن الإجراءات الأحادية من الأطراف المختلفة. وأوضحت أن المجموعات بالحوار المهيكل المعنية بالاقتصاد والحوكمة والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان عقدت جولتين من المشاورات منذ نهاية العام الماضي، في محاولة لدفع العملية السياسية إلى الأمام، غير أن الشعور العام بين المشاركين يعكس ضرورة ملحة لكسر حالة الجمود وإطلاق إصلاحات حقيقية في مجالي الحوكمة والاقتصاد.

وأعربت المسؤولة الأممية عن أسفها لعدم تحقيق تقدم ملموس بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في تنفيذ الخطوتين الأوليين من خارطة الطريق، بما في ذلك آلية اختيار أعضاء مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، رغم جهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. ولفتت إلى أن لجوء المجلسين إلى إجراءات أحادية خارج الآلية المتفق عليها أدى إلى تآكل مصداقيتهما لدى الشارع الليبي، في ظل انطباع متزايد بعدم قدرتهما أو رغبتهما في العمل المشترك لإنجاز المرحلة التمهيدية للمسار الانتخابي.

وعلى الصعيد المؤسسي، حذرت تيتيه من انقسام متزايد داخل النظام القضائي الليبي، الذي ظل تاريخيا موحدا نسبيا رغم الانقسامات السياسية، مشيرة إلى ظهور ولايات قضائية متنافسة وأحكام متضاربة وتناقضات قانونية خطيرة. وأكدت أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى أنظمة قانونية متوازية تؤثر سلبا على الاقتصاد والانتخابات والحكم والأمن وحقوق الإنسان، معتبرة أن المساس بوحدة القضاء يمثل خطا أحمر قد يقوض وحدة الدولة نفسها.

اقتصاديا، رسمت الإحاطة صورة قاتمة لمسار يتسم بالتراجع، في ظل انخفاض قيمة الدينار الليبي وارتفاع الأسعار ونقص الوقود وتصاعد السخط الشعبي. وأشارت إلى أن غياب ميزانية وطنية موحدة وعدم تنسيق الإنفاق العام نتيجة وجود مؤسسات حكومية موازية، إضافة إلى تراجع عائدات النفط، كلها عوامل ساهمت في استمرار اختلال ميزان العملات الأجنبية والضغط على الاحتياطيات. كما نبهت إلى أن ضعف الحوكمة وتشتت الرقابة واستمرار التهريب والاستغلال غير المشروع للموارد تستنزف قدرات الدولة وتحد من فرص التعافي الاقتصادي.

وفي الجانب الأمني، تحدثت الممثلة الخاصة عن ازدهار الشبكات الإجرامية العابرة للحدود، مستفيدة من مؤسسات أمنية منقسمة وحدود مفتوحة وضعف الرقابة المالية والمساءلة. وأشارت إلى تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في يناير 2026 أكد تحول ليبيا إلى مركز عبور رئيسي لتهريب المخدرات، فضلا عن استمرار انتهاكات حقوق الإنسان بحق المهاجرين وطالبي اللجوء، بحسب تقارير أممية مشتركة. كما لفتت إلى استمرار عمليات القتل المستهدف، داعية إلى تحقيق سريع وشفاف لضمان المساءلة.

وترى المبعوثة الأممية أن هذا المزيج من الانقسام السياسي والتراجع الاقتصادي والهشاشة الأمنية يخلق وضعا يقوض وحدة الدولة وسلامة أراضيها، ويحمل تداعيات خطيرة ليس فقط على ليبيا، بل على المنطقة بأكملها. وشددت على أن السبيل الوحيد للمضي قدما يتمثل في حل سياسي يوحد الليبيين، مع تكامل الجهود الدولية والإقليمية للتعامل مع المخاطر المتصاعدة.

ويرى مراقبون أن الحل في ليبيا يكمن أولا في التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي حالة الانقسام المؤسسي، وتفضي إلى انتخابات عامة تحظى بقبول واسع، وتشكيل سلطة تنفيذية موحدة تتولى إدارة المرحلة الانتقالية بجدول زمني محدد. كما يشيرون إلى أن توحيد المؤسسات السيادية، وعلى رأسها المالية والعسكرية والقضائية، يمثل خطوة أساسية لاستعادة الثقة داخليا وخارجيا.

كما يؤكد متابعون أن معالجة الأزمة الاقتصادية تتطلب اعتماد ميزانية موحدة، وتعزيز الشفافية والرقابة على الإنفاق، ومكافحة الفساد والتهريب، إلى جانب دعم مسار المصالحة الوطنية وبناء مؤسسات أمنية مهنية موحدة. وبدون هذه الخطوات المتوازية، يبقى السؤال مفتوحا: إلى أين تتجه ليبيا في ظل استمرار التحديات وتعثر المسار السياسي؟