المتهمون بهجوم قنصلية بنغازي في قبضة واشنطن.. وذراعهم الإعلامي “اللافي” يقود حكومة الوحدة

0
150

على مدار 14 عاماً، ظلّ هجوم بنغازي على القنصلية الأمريكية في 11 سبتمبر 2012 واحداً من أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيداً في ليبيا، هجوم أودى بحياة السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز وعدد من مرافقيه، وانتهى بحرق القنصلية الأمريكية، لكنه لم يُغلق بعد، لا أمنياً ولا سياسياً.

خلال هذه السنوات، ألقت الولايات المتحدة القبض على ثلاثة متهمين للاشتباه بتورطهم أو المشاركة في الهجوم، كان آخرهم الزبير البكوش الذي أعلنت وزارة العدل الأمريكية، أمس، مثوله أمام القضاء الأمريكي على خلفية القضية ذاتها.

أبو ختالة… أول الخيوط

في عام 2014، نفّذت الولايات المتحدة عملية نوعية أسفرت عن القبض على أحمد أبو ختالة، الرجل الذي نُصّب في مايو 2011 آمراً لكتيبة أبو عبيدة بن الجراح خلال معارك الثوار ضد نظام القذافي، قبل أن ينضم لاحقاً إلى تنظيم أنصار الشريعة، ويصبح أحد أبرز قادته في بنغازي.

أبو ختالة أُدين في الولايات المتحدة بالتورط في الهجوم على القنصلية الأمريكية، وصدر بحقه حكم بالسجن 22 عاماً، بعد أن حمّلته المحكمة مسؤولية المشاركة في الهجوم الذي أسفر عن مقتل السفير الأمريكي في بنغازي.

مصطفى إمام… المسار نفسه

بعد ثلاث سنوات، وتحديداً في أكتوبر 2017، أعلنت واشنطن القبض على مصطفى إمام، مساره لم يكن مختلفاً كثيراً؛ خرج من المعتقل عام 2011، شارك في القتال ضد نظام القذافي، ثم انتقل إلى بنغازي، حيث كان من بين الناشطين في تأسيس جماعة أنصار الشريعة، كما أدانه القضاء الأمريكي لاحقاً، وحكم عليه بالسجن 19 عاماً، لضلوعه في هجمات بنغازي.

الزبير البكوش… الحلقة الأحدث

الحلقة الثالثة في هذا المسار جاءت مع إعلان اعتقال الزبير البكوش، الرجل انضم إلى تنظيم أنصار الشريعة في بنغازي عام 2012، وأصبح عضواً في مجلس شورى ثوار بنغازي بقيادة وسام بن حميد، وشارك مع تنظيمات متطرفة في عمليات استهدفت الجيش الليبي.

لاحقاً، فرّ من بنغازي، وواصل دعم مجلس شورى الثوار من مصراتة وطرابلس، قبل أن يُلقى القبض عليه من قبل سلطات طرابلس، ثم يُعلن رسمياً عن مثوله أمام القضاء الأمريكي بتهمة التورط في هجوم القنصلية.

أنصار الشريعة… التنظيم المشترك

القاسم المشترك بين المتهمين الثلاثة ليس فقط هجوم بنغازي، بل الانتماء التنظيمي، فجميعهم ارتبطوا بشكل مباشر بتنظيم أنصار الشريعة، الذي أدرجه مجلس الأمن الدولي عام 2014 على قائمته السوداء، بطلب من أمريكا وبريطانيا وفرنسا، بسبب ارتباطه بتنظيم القاعدة، كما أدرجته الولايات المتحدة على قوائم الإرهاب، بعد ثبوت ضلوعه في استهداف البعثة الدبلوماسية الأمريكية.

الوجه الآخر للقضية

لكن الملف لم يتوقف هنا، إذ أظهرت صور وتقارير بثتها قناة النبأ الليبية خلال الفترة ما بين عامي 2013 و2015، مجلس شورى ثوار بنغازي الذي ينتمي إليه المتهمون الثلاثة، وقدّمته بوصفه تنظيماً يدافع عن مبادئ ثورة فبراير، فيما دأبت القناة على وصف قتلاه بـ“الشهداء الأبطال”.

وهنا يبرز اسم وليد اللافي، وزير الدولة لشؤون الاتصال بحكومة الوحدة في ليبيا حالياً، والذي كان قبل نحو عشر سنوات الذراع الإعلامي الأبرز لتلك التنظيمات، ورئيس إدارة قناة النبأ في تلك الفترة.

القناة نفسها كانت أول منصة إعلامية تنقل مؤتمراً صحفياً مباشراً لأمير تنظيم القاعدة في ليبيا محمد الزهاوي، وعُرفت بتلميع صورة أنصار الشريعة ومجلس شورى ثوار بنغازي، رغم تصنيفهم دولياً كتنظيمات إرهابية.

وفي أحد لقاءاته على القناة، خرج اللافي ليثني على قادة مجلس شورى ثوار بنغازي، واصفاً محمد العريبي بوكا، أحد قادتهم، بأنه “قائد ميداني مشهود له” في ثورة فبراير.

من الهامش إلى قلب السلطة

اليوم، لا يُعد وليد اللافي شخصية هامشية. تولّيه رئاسة الحكومة مؤقتاً خلال الوعكة الصحية التي ألمّت برئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وترؤسه اجتماعات استراتيجية، كشفا حجم ثقله داخل حكومة الوحدة.

لكن هذا الصعود السياسي يثير تساؤلات واسعة، خاصة في ظل النفوذ الكبير الذي بات يتمتع به وليد اللافي داخل حكومة الوحدة الوطنية، وسيطرته على عدد من الملفات المهمة، وعلى رأسها ملف المصالحة الوطنية، فقد لعب اللافي دوراً بارزاً في تعيين القيادي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، علي الصلابي مستشاراً لرئيس المجلس الرئاسي لشؤون المصالحة، إلى جانب إشرافه أو تأثيره في ملفات أخرى داخل دوائر الحكم في طرابلس.

ويأتي هذا النفوذ في وقت تُثار فيه علامات استفهام حول ماضي اللافي الإعلامي، وعلاقاته السابقة بمنصات وتنظيمات مصنفة إرهابية، إضافة إلى اتهامات متداولة بتقديم دعم مالي ولوجستي لمجلس شورى ثوار بنغازي خلال السنوات السابقة.

اعتقال الزبير البكوش أعاد فتح ملف دعم التنظيمات المتطرفة في بنغازي من جديد، كدليل على مسار طويل من التداخل بين الإرهاب والسلاح والإعلام والسياسة في ليبيا، مسار سمح لبعض الشخصيات، وأبرزهم وليد اللافي، بالانتقال من مواقع التحريض والدعاية إلى مواقع التأثير وصنع القرار.

وهنا تكمن الخطورة في أن شخصيات تتولى اليوم مناصب مؤثرة في الحكومة، تتمتع بنفوذ واسع داخل السلطة في طرابلس، سبق أن ارتبط اسمها بدعم أو تبرير تنظيمات لا تزال ملاحقة دولياً بسبب تنفيذ هجمات إرهابية، من بينها اغتيال السفير الأمريكي في بنغازي.