هل تقرب ميزانية الانتخابات ليبيا من صناديق الاقتراع أم يعطل الانقسام الاستحقاق المنتظر؟

0
103
الانتخابات الليبية
الانتخابات الليبية

أعاد قرار مجلس النواب الليبي تخصيص ميزانية لمفوضية الانتخابات ملف الاستحقاق الرئاسي والبرلماني إلى واجهة المشهد السياسي، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل بداية فعلية لمسار انتخابي طال انتظاره، أم أنها ستصطدم مجددًا بجدار الانقسام القانوني والسياسي القائم.

وأعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تسلمها قرار مجلس النواب رقم 3 لسنة 2026، القاضي بتخصيص 210 ملايين دينار لتغطية مصروفات الانتخابات البرلمانية والرئاسية المزمع إجراؤها خلال الفترة المقبلة، على أن تتم عملية الصرف تحت إشراف هيئة رئاسة مجلس النواب.

ورحبت المفوضية بالقرار، واعتبرته خطوة عملية وجادة تعكس التزام السلطة التشريعية بدعم المسار الديمقراطي، مؤكدة جاهزيتها للشروع في الإجراءات الفنية واللوجستية اللازمة لتنفيذ العملية الانتخابية، بما يعزز ثقة الناخبين ويلتزم بالمعايير المهنية المعتمدة.

وكان مجلس النواب قد صوّت في جلسة رسمية عقدت نهاية ديسمبر الماضي لصالح إقرار الميزانية المقدمة من المفوضية، ضمن ترتيبات تهدف إلى تهيئة الظروف لإجراء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

ورغم أهمية تخصيص الميزانية باعتباره شرطًا أساسيًا لأي عملية انتخابية، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن العائق الحقيقي لا يزال سياسيًا وقانونيًا، في ظل تصاعد الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية.

فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة انتخاب صلاح الكميشي رئيسًا لمجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول قانونيتها، خاصة أن المجلس يُصنف، وفق الاتفاق السياسي، كجهة استشارية لا تمتلك صلاحيات تشريعية أو اختصاصات تخوّلها تعيين شاغلي المناصب السيادية.

وأكد مجلس الدولة أن جلسة رسمية عُقدت بحضور النصاب القانوني خصصت لانتخاب رئيس وثلاثة أعضاء لمجلس المفوضية، مستندًا إلى ما وصفه بنصوص اتفاق أبو زنيقة، فيما قوبلت هذه الخطوة باعتراضات قوية من مجلس النواب، الذي شدد على تمسكه بحقه القانوني في اختيار شاغلي المناصب السيادية بعد التشاور غير الملزم مع مجلس الدولة.

واعتبر مجلس النواب أن ما أقدم عليه مجلس الدولة يمثل تجاوزًا للصلاحيات ويشوبه عوار قانوني، ما يفتح الباب أمام طعون محتملة ويزيد من تعقيد المشهد.

في خضم هذا التصعيد، أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها البالغ إزاء الخلاف المتصاعد بين المجلسين، محذرة من أن الانخراط في إجراءات أحادية ينذر بفصل جديد من الانقسام المؤسسي. ودعت البعثة الطرفين إلى وقف التصعيد وتحمل مسؤوليتهما عن أي انقسام قد يؤثر سلبًا على عمل المفوضية، مؤكدة أهمية تحييدها عن التجاذبات السياسية، باعتبارها إحدى المؤسسات الوطنية القليلة التي حافظت على وحدتها وكفاءتها الفنية.

كما جددت البعثة استعدادها لدعم مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة للتوصل إلى حل توافقي، مشيرة إلى استمرار العمل مع مجلس المفوضين الحالي من أجل المضي قدمًا نحو انتخابات رئاسية وتشريعية ضمن إطار قانوني قابل للتنفيذ.

عمليًا، يمثل اعتماد ميزانية الانتخابات مؤشرًا إيجابيًا على توفر الإرادة المالية لإجراء الاستحقاق، لكنه لا يكفي وحده لفتح صناديق الاقتراع، في ظل غياب توافق سياسي واضح حول الإطار القانوني للمفوضية والعملية الانتخابية برمتها. فبينما تؤكد المفوضية جاهزيتها الفنية، يبقى الانقسام بين الأجسام السياسية، وتضارب الصلاحيات، واستمرار الخلاف حول إدارة المفوضية، عوامل رئيسية تهدد بتعطيل المسار الانتخابي مرة أخرى.

ويأتي هذا المشهد في ظل انقسام حكومي ومؤسسي عميق يزيد من تعقيد فرص الوصول إلى انتخابات شاملة. فمنذ أكثر من عامين، تعيش ليبيا على وقع حكومتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، التي تدير شؤون شرق وجنوب ليبيا.

هذا الانقسام لا يقتصر على السلطة التنفيذية فقط، بل يمتد إلى مؤسسات سيادية وخدمية ومالية، ما ينعكس مباشرة على البيئة الانتخابية، سواء من حيث توفير التمويل بشكل موحد، أو تأمين العملية الانتخابية، أو ضمان قبول نتائجها من جميع الأطراف.

وفي ظل غياب حكومة واحدة تحظى بشرعية وطنية جامعة، تبقى أي عملية انتخابية معرضة للطعن أو التعطيل، خاصة مع اختلاف مواقف الحكومتين بشأن الإطار القانوني للانتخابات، ودور المفوضية، وآليات الإشراف والتنفيذ، فضلا عن التباين في السيطرة على الأرض والأجهزة الأمنية.

كما أن استمرار هذا الانقسام يضعف قدرة الدولة على توفير الضمانات الأساسية للانتخابات، مثل حرية الحملات الانتخابية، وتكافؤ الفرص بين المرشحين، وتأمين مراكز الاقتراع، وهو ما يجعل أي استحقاق انتخابي عرضة لمخاطر أمنية وسياسية قد تعيد البلاد إلى مربع الصراع بدل إنهائه.

وفي المحصلة، لا يبدو أن تخصيص ميزانية الانتخابات وحده كافٍ لتجاوز هذه التعقيدات، إذ يظل توحيد السلطة التنفيذية، وإنهاء الانقسام المؤسسي، والتوصل إلى توافق سياسي شامل، شروطًا أساسية لتحويل التمويل المعتمد إلى انتخابات فعلية، بدل أن يبقى مجرد خطوة تقنية في مسار سياسي متعثر.