عكس الاتجاه: أمريكا تضع الإخوان على قوائم الإرهاب و”الصلابي” مستشاراً للمصالحة الوطنية في ليبيا

0
133

بينما تتجه بوصلة العالم نحو تشديد الخناق على جماعة الإخوان المسلمين وتصنيف أفرعها كمنظمات إرهابية، يبدو المشهد الليبي وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، بل يرسل إشارات سياسية مربكة، تعكس انفصالاً واضحاً عن التحولات الدولية والإقليمية الجارية.

فقد عين رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، علي الصلابي، مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً على المستوى السياسي والشعبي. فالصلابي هو أبرز منظّري جماعة الإخوان، ارتبط اسمه بخطاب تحريضي يدعم مواقف الجماعة ويبرر تحركاتها السابقة

وأعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمياً تصنيف ثلاثة أفرع لجماعة الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط ضمن قوائم الإرهاب، شملت فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان، مع فرض عقوبات مباشرة على التنظيم وأعضائه، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها بداية مسار طويل لمواجهة التطرف وزعزعة الاستقرار.

وقالت وزارتا الخارجية والخزانة الأمريكيتان إن هذه الفروع تشكل تهديداً مباشراً على الولايات المتحدة ومصالحها، حيث صنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني كـ«منظمة إرهابية أجنبية»، وهو التصنيف الأشد الذي يجرم أي دعم مادي أو لوجستي للجماعة، فيما أدرجت وزارة الخزانة الفرعين المصري والأردني على قائمة «المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة خصيصاً»، لدورهما في دعم التطرف والعنف. 

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أكد في بيان رسمي أن هذه الإجراءات «تعكس الخطوات الأولى لجهود متواصلة ومستدامة لإحباط أعمال العنف التي تمارسها فروع جماعة الإخوان وزعزعة الاستقرار أينما وجدت»، مشدداً على أن الولايات المتحدة ستستخدم جميع أدواتها لحرمان هذه الجماعات من الموارد التي تمكنها من ممارسة الإرهاب أو دعمه، وملاحقة المتورطين جنائياً.

ويبرز التناقض الليبي بوضوح، مع إقدام رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي على تعيين علي الصلابي، أحد أبرز قيادات تنظيم الإخوان، مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول مفهوم المصالحة وحدودها، والرسائل السياسية التي تحملها داخلياً وخارجياً.

فالصلابي ليس اسماً عابراً في المشهد الليبي، بل يُعد من أكثر الشخصيات جدلاً، وارتبط اسمه بخطاب تحريضي وتبرير للعنف، وشيطنة المؤسسات العسكرية، وتكفير الخصوم السياسيين، فضلاً عن دوره في تغذية الاستقطاب وإدامة الصراع، وهي مواقف لم يتراجع عنها علناً، ولم يقدم بشأنها أي مراجعات فكرية أو اعتذارات سياسية.

القرار الأمريكي لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى أمر تنفيذي وقعه ترامب، كلف بموجبه وزيري الخارجية والخزانة بوضع آليات لمعاقبة الجماعات المتورطة في العنف وعدم الاستقرار، في سياق رؤية أمريكية تعتبر الإخوان جزءاً من شبكة عابرة للحدود تهدد الأمن الإقليمي والدولي. كما سبقت ولايتا فلوريدا وتكساس هذا التوجه بتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية على المستوى المحلي.

ويرى مراقبون أن لهذه الخطوة تبعات تتجاوز العقوبات المباشرة، إذ قال ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، إن التصنيف قد يؤثر على طلبات التأشيرات واللجوء في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وكندا، ويوفر أساساً قانونياً أوسع للتعامل مع عناصر الجماعة، مؤكداً أن بعض حلفاء واشنطن، مثل مصر والإمارات، سيكونون من أكثر المرحبين بهذه الإجراءات، بينما ستواجه دول تتسامح مع الإخوان ضغوطاً سياسية متزايدة.

 ودافع الصلابي في كتبه ومؤلفاته عن مشروع جماعة الإخوان السياسي، وشرعن الصراع مع الدولة الوطنية، ولم تقتصر علاقته بالجماعة على الإطار الدعوي أو الفكري، بل امتدت إلى العمل السياسي المباشر والتأثير في مسارات الصراع، حيث لعب دوراً بارزاً في تبرير العنف، وتغذية الانقسام، وتسويق خطاب التكفير والتخوين ضد الخصوم، وهي مواقف موثقة في خطبه وكتاباته، ما يجعله جزءً من الأزمة الليبية لا وسيطاً لحلّها.

السؤال الجوهري هنا لا يتعلق بشخص الصلابي فقط، بل بفكرة المصالحة ذاتها: كيف يمكن لمشروع يُفترض أن يُنهي الانقسام ويطفئ نيران الصراع، أن يُدار أو يُستشار فيه من كان جزءً أصيلاً من تأجيجه؟ وكيف تُبنى مصالحة وطنية على أيدي رموز لم تعترف يوماً بمسؤوليتها عما جرى، ولم تُقر بخطأ التحريض أو تبرير القتل أو إسقاط الدولة؟

المفارقة أن العالم يتحرك نحو تجفيف منابع الإسلام السياسي، فيما لا تزال بعض القيادات الليبية تتعامل مع هذه الجماعات وكأن الزمن توقف عند ما قبل 2011، متجاهلة التحولات الإقليمية، وتداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية على مستقبل ليبيا وعلاقاتها الدولية.

وفي ظل هذا التناقض الصارخ بين ما يجري في العالم وما يُدار في الداخل الليبي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تدرك القيادات الليبية حجم التحول الدولي؟ أم أن ليبيا تُدفع مرة أخرى للسير عكس التيار… بثمن يدفعه الجميع؟