65 % من المحاصيل ملوثة.. كيف تحركت ليبيا لمواجهة المبيدات المسرطنة؟

0
119

لم يعد ملف المبيدات الزراعية المحظورة قضية تتعلق بمخالفات تجارية أو بضبطيات متفرقة، بل تحول خلال الأيام الأخيرة إلى أحد أكبر ملفات الأمن الغذائي في ليبيا، بعدما كشفت التحقيقات الرسمية عن انتشار مواد محظورة ومصنفة دولياً بأنها مسرطنة داخل الأسواق، الأمر الذي دفع النيابة العامة إلى إطلاق حملة واسعة امتدت من غرب البلاد إلى شرقها، وأسفرت عن عشرات قرارات الحبس وإغلاق محال ومصادرة آلاف العبوات.

وتفجرت القضية عقب إعلان النيابة العامة، نهاية يونيو الماضي، نتائج التحاليل التي أُجريت على عينات من المحاصيل الزراعية، حيث أظهرت أن 65% من العينات تحتوي على متبقيات مبيدات محظورة أو مواد مصنفة دولياً بأنها مسرطنة أو مسببة للطفرات الوراثية.

كما بينت الفحوص وجود سبعة أنواع من المبيدات المحظورة وفق التشريعات الليبية، مع تجاوز بعض العينات الحدود المسموح بها دولياً، وهو ما دفع جهات التحقيق إلى الانتقال من مرحلة الرصد والتحليل إلى مرحلة الملاحقة القضائية.

ومنذ ذلك الحين، اتسعت دائرة التحقيقات لتشمل سلسلة من الحملات الميدانية استهدفت محال بيع المبيدات ومخازنها والمزارع في مختلف المدن الليبية، بحثاً عن مصادر هذه المواد وآليات دخولها إلى السوق المحلية.

وكانت البداية من المنطقة الممتدة بين غريان ونالوت، حيث تمكنت فرق التفتيش من ضبط 79 صندوقاً من المبيدات الزراعية المحظورة داخل 25 محلاً، فيما أمرت النيابة العامة بحبس ثمانية أشخاص احتياطياً وإغلاق مواقع التخزين والتحفظ على المضبوطات، في أولى القضايا المرتبطة بهذا الملف.

وسرعان ما امتدت الحملات إلى مدن الغرب الليبي، فأغلقت النيابة العامة 60 محلاً بمدينة الزاوية خلال حملة شملت المنطقة الممتدة حتى منفذ رأس اجدير، بينما شهدت مدينة الخمس واحدة من أكبر الضبطيات، بعد ضبط 950 مستوعباً من المبيدات المحظورة و350 كيلوغراماً من مبيدات منتهية الصلاحية، مع حبس 12 متهماً وإغلاق 30 محلاً.

وفي طرابلس، واصلت النيابة العامة حملاتها، حيث أصدرت قرارات بحبس 15 متهماً بعد ضبط مئات العبوات من المبيدات المحظورة والمنتهية الصلاحية، إلى جانب إغلاق 60 محلاً في بلدية السواني، ضمن خطة تستهدف وقف تداول هذه المواد داخل الأسواق.

أما في المنطقة الشرقية، فقد شملت الإجراءات مدينة البيضاء، حيث جرى حبس 14 شخصاً بعد ضبط 493 عبوة من المبيدات المحظورة، فيما أسفرت حملة مماثلة في بنغازي عن ضبط نحو 11 ألف عبوة من المبيدات الزراعية المحظورة، و500 عبوة منتهية الصلاحية، إضافة إلى 19 ألف كيلوغرام من سماد اليوريا المدعوم من الدولة، مع إغلاق محال التخزين ومواصلة ملاحقة بقية المتورطين.

وبالتوازي مع المسار القضائي، تحركت الحكومة لتشديد الضوابط المنظمة لاستيراد المبيدات الزراعية، إذ أصدر وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبوشيحة قراراً يقصر استيرادها على المنتجات الأوروبية والأميركية والكندية، مع إلزام الموردين بتقديم شهادات مطابقة وإخضاع جميع الشحنات للفحص في مختبرات دولية معتمدة قبل السماح بدخولها إلى السوق الليبية.

وأكدت وزارة الاقتصاد أن التحقيقات لا تزال مستمرة لتحديد المسؤولين عن إدخال المبيدات المحظورة أو تداولها، مشيرة إلى استمرار التنسيق مع النيابة العامة والأجهزة الأمنية والرقابية لضمان تنفيذ القرار الجديد وتشديد الرقابة على الأسواق.

ولم يكن هذا الملف وليد الأيام الماضية، إذ سبق للنيابة العامة أن فتحت في يناير الماضي تحقيقاً في قضية توزيع مبيدات منتهية الصلاحية لمكافحة الجراد الصحراوي، انتهى بحبس ثلاثة موظفين، بعدما كشفت التحقيقات أن مبيدات غير صالحة للاستخدام منذ عام 2007 دخلت إلى البلاد واستُخدمت دون استكمال الإجراءات الجمركية أو إخضاعها للفحص.

وتشير وتيرة الضبطيات واتساع نطاقها الجغرافي إلى أن السلطات الليبية تتعامل مع الملف باعتباره قضية أمن غذائي وصحة عامة، وليس مجرد مخالفات تجارية، في وقت تتواصل فيه التحقيقات لتعقب شبكات استيراد وتوزيع المبيدات المحظورة، تمهيداً لإحالتها إلى القضاء واستكمال إجراءات سحب هذه المواد من الأسواق.

وفي سبها تم عمل جولة تفتيشية في بلديات: سبها؛ الشاطئ؛ أوباري؛ مرزق؛ تراغن؛ الشرقية؛ زويلة؛ فأجرى الإطار تفتيش أربعة وأربعين محلاً تبيّن أن 17 محلاً منها تستعمل في المتاجرة بالمبيدات المحظورة؛ وبناءً على ذلك قررت النيابة العامة: القبض على 7 أشخاص متلبسين بحيازة هذه المبيدات؛ وقفل المَحال القائمين على إدارتها؛ والتحفظ على المادة المحظورة.