لماذا يرفض الإخوان مبادرة بولس لحل الأزمة الليبية؟

0
142

في الوقت الذي تتزايد فيه التحركات الدولية الرامية إلى إيجاد مخرج للأزمة الليبية الممتدة منذ سنوات، برزت جماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي في ليبيا كأبرز الأطراف الرافضة للمبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، والهادفة إلى الدفع نحو تسوية سياسية شاملة تمهد لتوحيد المؤسسات الليبية وإنهاء حالة الانسداد السياسي.

ومنذ بدء تداول تفاصيل المبادرة، شنت المنصات الإعلامية المحسوبة على تيار الإخوان حملة واسعة ضد المقترح الأمريكي، ركزت على التشكيك في أهدافه ومهاجمة الأطراف الداعمة له، في محاولة لخلق حالة من الرفض الشعبي والسياسي تجاه أي مسار يمكن أن يفضي إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي القائم.

ويرى مراقبون أن موقف الجماعة من المبادرة لا يرتبط بمضمونها بقدر ما يرتبط بما قد تفرزه من متغيرات سياسية جديدة تهدد النفوذ الذي راكمته بعض القوى المرتبطة بها داخل مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية. ويستند هذا التقدير إلى التحول المفاجئ في خطاب عدد من المنصات المحسوبة على الإخوان، والتي انتقلت من مهاجمة مؤسسات سياسية بعينها إلى الدفاع عنها عندما أصبحت مواقفها تصب في اتجاه تعطيل المبادرة الأمريكية.

وفي موازاة الحملة الإعلامية، برزت تحركات سياسية وميدانية هدفت إلى تشكيل جبهة معارضة للمبادرة. وكان من أبرز هذه التحركات الاجتماع الذي احتضنته مدينة مصراتة، بمشاركة شخصيات وقوى سياسية ودينية محسوبة على تيارات الإسلام السياسي، حيث جرى الإعلان عن رفض المبادرة الأمريكية والدعوة إلى التصدي لأي ترتيبات سياسية تنتج عنها.

كما لعب المفتي المعزول من قبل مجلس النواب، الصادق الغرياني، دوراً محورياً في التصعيد ضد المبادرة، إذ شن هجوماً مباشراً على التحركات التي يقودها مسعد بولس، ووصفها بأنها محاولة لفرض واقع سياسي جديد في ليبيا. ولم يكتف الغرياني برفض المبادرة، بل دعا مجموعات مسلحة في غرب البلاد إلى مواجهة أي تفاهمات سياسية قد تنتج عنها، في خطوة اعتبرها متابعون محاولة واضحة لإفشال أي مسار سياسي جديد عبر توظيف نفوذ بعض التشكيلات المسلحة.

ويعتقد عدد من المراقبين أن تحركات الغرياني وبعض الشخصيات المحسوبة على تيار الإخوان تعكس خشية متزايدة من أن تؤدي المبادرة الأمريكية إلى إنهاء حالة الانقسام التي استفادت منها هذه القوى سياسياً خلال السنوات الماضية. فكل تقدم نحو توحيد المؤسسات أو تشكيل سلطة تنفيذية جديدة قد يعني تراجع قدرة الجماعة على التأثير في القرار السياسي الليبي.

وفي الوقت ذاته، تشير قراءات سياسية إلى أن الجماعة تسعى إلى استثمار أي اعتراضات قائمة داخل بعض المدن أو المكونات الاجتماعية لتوسيع دائرة الرفض للمبادرة، وتحويلها من موقف سياسي خاص بها إلى جبهة أوسع تضم أطرافاً مختلفة، رغم تباين دوافع هذه الأطراف واختلاف مصالحها.

ويؤكد مراقبون أن ما يجري يعكس صراعاً أوسع من مجرد الخلاف حول مبادرة سياسية، إذ يتعلق بمستقبل موازين القوى في ليبيا. فبينما ترى أطراف عدة أن البلاد بحاجة إلى حلول عملية تنهي سنوات الانقسام والفوضى، تنظر قوى أخرى إلى أي تسوية محتملة من زاوية تأثيرها على نفوذها ومصالحها السياسية.

وفي ظل استمرار هذه التحركات، يبقى مستقبل المبادرة الأمريكية مرتبطاً بقدرة الأطراف الليبية والدولية على تجاوز حملات الرفض والتشكيك، والوصول إلى تفاهمات تضع مصلحة الدولة فوق الحسابات الحزبية والفئوية، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بإنهاء المراحل الانتقالية والانتقال إلى مرحلة الاستقرار الدائم عبر مؤسسات موحدة وانتخابات وطنية شاملة.