ضرائب مثيرة للجدل وانهيار في سعر الصرف.. إلى أين يتجه الاقتصاد الليبي؟

0
124
علم ليبيا
علم ليبيا

يشهد الاقتصاد الليبي مرحلة دقيقة تتداخل فيها الأزمات النقدية والمالية مع الانقسام السياسي، في وقت يتصدر فيه ارتفاع سعر الدولار وغلاء السلع الأساسية اهتمامات الشارع، وسط جدل واسع بشأن قرار فرض ضرائب جديدة على السلع المستوردة.

بدأ مصرف ليبيا المركزي تطبيق ضرائب على عدد من السلع المستوردة تنفيذًا لما قيل إنه قرار صادر عن البرلمان، في خطوة وُصفت بأنها تهدف إلى معالجة الاختلالات المالية الناجمة عن ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية. وشملت الضرائب سلعًا غذائية ومنتجات استهلاكية ومواد تنظيف وقطع غيار السيارات ومواد البناء والملابس والأجهزة المنزلية والإلكترونية، إضافة إلى التبغ والسيارات الفارهة، بنسب تراوحت بين 7% و40%.

غير أن القرار قوبل برفض واسع، سواء من حكومة الوحدة أو من أطراف داخل البرلمان نفسه. فقد أعلنت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة رفضها لما وصفته بـ”القرار الأحادي”، معتبرة أن أزمة سعر الصرف تعود أساسًا إلى الإنفاق الموازي خارج الميزانية المعتمدة، وليس إلى غياب الضرائب على الواردات.

وأكدت الحكومة أن تنفيذ هذه الإجراءات سيؤدي إلى إرباك السوق وتعميق حالة عدم اليقين، محذرة من تضخم إضافي في الكتلة النقدية دون غطاء إنتاجي أو احتياطي أجنبي كافٍ، فضلًا عن ضغوط جديدة على سعر الصرف، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع ويزيد الأعباء المعيشية على المواطنين.

في المقابل، أعلن 107 نواب في بيان رسمي عدم قانونية الضرائب والإجراءات المالية المنسوبة إلى المصرف المركزي، مؤكدين أن البرلمان لم يصدر قرارًا صحيحًا أو نافذًا بفرض أي ضرائب، وأن أي مراسلات متداولة لا تكتسب قوة قانونية ما لم تصدر في جلسة رسمية مكتملة النصاب ووفق اللائحة الداخلية.

تزامن الجدل حول الضرائب مع انهيار قياسي في قيمة الدينار الليبي، حيث بلغ سعر الدولار في السوق الموازية 10.42 دينار لأول مرة، قبل أن يرتفع إلى 10.46 دينار للنقدي، و11.08 دينار للصكوك، في مؤشر واضح على فقدان الثقة واستمرار الضغوط على العملة المحلية.

هذا الارتفاع انعكس سريعًا على الأسواق، إذ تضاعفت أسعار بعض السلع الأساسية، وقفزت أسعار اللحوم والدواجن بنحو 50%، فيما ارتفع سعر تعبئة أسطوانة الغاز من 1.5 دينار عبر القنوات الرسمية إلى نحو 75 دينارًا في السوق الموازية نتيجة عجز واضح في الإمدادات.

وتصدر وسم “لا لفرض الضرائب” منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر مواطنون عن رفضهم تحميلهم كلفة الانقسام السياسي وسوء الإدارة المالية، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتآكل الدخول الثابتة.

الأكاديمي والباحث في العلاقات الدولية أحمد العبود اعتبر أن القرار المتعلق بفرض الضرائب لم يصدر عن جلسة رسمية مكتملة النصاب لمجلس النواب، وإنما خرج عن لجنة الاقتصاد بالمجلس، ما يجعله – بحسب رأيه – فاقدًا للسلامة الإجرائية.

وأوضح أن القرارات ذات الطابع المالي والاقتصادي يجب أن تمر عبر جلسة رسمية وتصويت واضح، وأن تخضع لدراسة لجان علمية متخصصة والاستعانة بخبراء لتقييم انعكاساتها على الاقتصاد والإنفاق العام والسياسة الضريبية، مشيرًا إلى أن تجاهل هذه المسارات يفتح الباب للطعن القانوني.

كما أشار إلى تداول عريضة موقعة من أكثر من 107 نواب للمطالبة بعقد جلسة رسمية لمناقشة القرار، متوقعًا أن يشهد المجلس تحركًا قريبًا لحسم الجدل.

يرى العبود أن الأزمة الحالية لا تختزل في مسألة الضرائب، بل تعكس خللًا هيكليًا أعمق في إدارة الاقتصاد الليبي خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، حيث أُديرت المالية العامة بعقلية “إدارة الأزمة” لا وفق استراتيجية طويلة المدى.

وأشار إلى أن معظم الميزانيات منذ 2011 لم تعتمد من السلطة التشريعية، باستثناء ميزانية 2012، ما أفقدها – بحسب رأيه – الأساس القانوني والرقابي، وفتح الباب أمام إنفاق ضخم دون مساءلة حقيقية. وتحدث عن أرقام إنفاق كبيرة، وعن ضعف في الرقابة المؤسسية، وغياب التنسيق بين السياسة المالية والنقدية، ما ساهم في تفاقم التضخم وتآكل قيمة الدينار.

كما لفت إلى وجود إنفاق موازٍ تم باتفاق داخل إطار المصرف المركزي، مؤكدًا أن استمرار الانقسام بين المؤسسات السيادية والسياسية أفرز واقعًا يتسم بإنفاق مزدوج وقرارات غير واضحة المصدر، في ظل غياب حوكمة فعالة للقطاع المصرفي واعتماد شبه كلي على مورد النفط.

في ظل هذا الواقع، يقف الاقتصاد الليبي أمام مفترق طرق. ففرض ضرائب جديدة في بيئة تعاني أصلًا من تضخم مرتفع وانهيار في سعر الصرف قد يزيد الضغط على المواطن، بينما يظل علاج الاختلالات المالية رهين إصلاحات أعمق تشمل ضبط الإنفاق العام، توحيد المؤسسات، تعزيز الشفافية، واعتماد ميزانيات تخضع للرقابة التشريعية.

وبين جدل الضرائب، وتدهور الدينار، وارتفاع الأسعار، يبقى المواطن الليبي الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية معقدة، تتطلب حلولًا شاملة تتجاوز المعالجات الجزئية، وتعيد بناء الثقة في السياسة المالية والنقدية للدولة.