جنرال أمريكي: الجيش الليبي رسخ تماسك داخلي يتناقض مع حالة التشرذم في مناطق أخرى

0
129

أكد جنرال أمريكي متقاعد أن ليبيا لم تعد مجرد ملف إنساني أو إشكال دبلوماسي عابر، بل تمثل خيارًا استراتيجيًا حاسماً أمام الولايات المتحدة إذا كانت تعتزم الحفاظ على دور مؤثر في منطقة البحر المتوسط. 

وحذر جيمس إل. جونز، الذي سبق أن شغل منصب مستشار الأمن القومي الأمريكي، في مقال نشرته صحيفة “جيروزاليم استراتيجيك تريبيون”، الصادرة في واشنطن، من أن ترك الساحة لقوى أخرى سيجعلها هي من يحدد مستقبل هذه المنطقة الحيوية. إن الدولة تبدأ بالأمن، وأن غياب السيطرة الإقليمية وسلسلة القيادة المتماسكة والقوات المسلحة المنضبطة يجعل أي انتخابات في ليبيا مجرد تطلعات غير قابلة للتحقق.

وأشار جونز إلى أن ليبيا ظلت لأكثر من عقد رمزاً لتدخل غير مكتمل؛ بلد تحرر من الديكتاتورية لكنه لم يتحول إلى دولة مستقرة. 

وأضاف أن النتيجة لم تقتصر على التفكك الداخلي، بل امتدت إلى تآكل الأمن في وسط البحر الأبيض المتوسط، وتوسع نفوذ قوى خارجية، وتكريس حالة من عدم الاستقرار على طول الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي “ناتو”. 

واعتبر أن التركيز الدولي انصبّ خلال السنوات الماضية على خرائط الطريق السياسية وترتيبات وقف إطلاق النار والجداول الزمنية للانتخابات، غير أن هذه الجهود تعثرت مراراً بسبب غياب بنية أمنية موحدة وذات مصداقية.

وأوضح أن الانقسام في ليبيا لم يكن نتيجة غياب المؤتمرات أو البيانات الختامية، بل بسبب وجود هياكل مسلحة متنافسة تفتقر إلى قيادة وطنية موحدة. 

وتحدث عن الأوضاع في شرق البلاد، مشيرًا إلى أن “القيادة العامة” رسخت سيطرة إقليمية وتماسكاً داخلياً يتناقض مع حالة التشرذم في مناطق أخرى، مؤكداً أن أي استراتيجية فعالة يجب أن تنطلق من الواقع القائم على الأرض، دون أن يعني ذلك تأييد جميع الممارسات السابقة أو تجاهل الأبعاد السياسية والإنسانية المعقدة.

وحذر جونز من أن امتناع الولايات المتحدة عن الانخراط مع الجهات التي تمارس سيطرة فعلية على الأراضي والهياكل الأمنية سيفتح المجال أمام قوى خارجية لتوسيع نفوذها، سواء عبر التمركز العسكري أو الحصول على امتيازات في قطاع الطاقة أو تحقيق مكاسب جيوسياسية.

وقال إن الفراغ في شمال أفريقيا لا يدوم طويلاً، وإن السؤال الحقيقي لواشنطن ليس ما إذا كانت ليبيا معقدة، بل ما إذا كانت كلفة الانسحاب تفوق مخاطر الانخراط المنظم.

واستعرض أربع مصالح استراتيجية اعتبرها على المحك في ليبيا، في مقدمتها مكافحة الإرهاب، موضحاً أن غياب مؤسسات أمنية وطنية راسخة يترك المجال مفتوحًا لعودة الشبكات المتطرفة. 

كما أشار إلى استقرار التحالفات الأوروبية التي تواجه ضغوط الهجرة غير القانونية عبر المتوسط، معتبرًا أن استمرار الفوضى في ليبيا ينعكس مباشرة على الاستقرار السياسي داخل الديمقراطيات المتحالفة.

وأضاف أن أمن الطاقة يمثل مصلحة ثالثة، نظرًا لما تمتلكه ليبيا من موارد هيدروكربونية تسهم في استقرار الأسواق العالمية، في حين تؤدي الانقسامات إلى تقويض الإنتاج والاستثمار، أما المصلحة الرابعة فتتعلق بالتنافس الجيوسياسي، حيث يمنح التمركز على ساحل المتوسط أهمية استراتيجية تتجاوز حدود ليبيا.

ودعا جونز إلى اتباع نهج أمريكي أكثر تماسكاً لا يتطلب تدخلاً عسكرياً واسع النطاق، بل “قيادة حكيمة”، مقترحاً تعيين مبعوث رفيع المستوى لتنسيق السياسات بين الوكالات والتعاون الوثيق مع الحلفاء الأوروبيين، وتحويل التركيز نحو دمج القطاع الأمني كمدخل أساسي للمصالحة السياسية، عبر انخراط مدروس مع الهياكل الأمنية في شرق البلاد وغربها بهدف توحيدها تدريجيًا تحت سلطة مدنية.

كما شدد على ضرورة أن يكون أي انخراط مشروطًا بخطوات قابلة للقياس نحو التكامل الوطني ورفع كفاءة القوات واحترام معايير الحكم، مؤكداً أن الهدف ليس تمكين فصيل بعينه، بل تأسيس قاعدة لدولة ليبية موحدة.

واعتبر أن الإهمال الاستراتيجي طويل الأمد غالباً ما يكون أكثر كلفة من الانخراط المنضبط، إذ يؤدي إلى ترسيخ النفوذ الخارجي وتعقيد فرص الاستقرار مستقبلًا.

واختتم جونز بالتأكيد على أن مستقبل ليبيا يقرره الليبيون، لكن شكل هذا المستقبل – سواء في إطار سيادي مستقر أو بيئة متصدعة عرضة للتلاعب الخارجي – سيتوقف إلى حد كبير على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعيد تأكيد قيادتها المنضبطة في البحر الأبيض المتوسط، أم ستكتفي بدور المراقب بينما يحدد الآخرون المسار.