في المرتبة الـ177 عالميا.. لماذا أصبح الفساد أزمة مزمنة في ليبيا؟

0
119
علم ليبيا
علم ليبيا

حلت ليبيا في المرتبة 177 عالميا من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، محققة 13 نقطة من 100، لتبقى ضمن أدنى الدول عالميا في مستويات النزاهة ومكافحة الفساد، في تصنيف يعكس بوضوح عمق الأزمة التي تعيشها الدولة على مستوى الحكم وإدارة المؤسسات العامة.

ويصنّف مؤشر مدركات الفساد الدول وفقا لمستوى الفساد المدرك في القطاع العام، على مقياس يتراوح بين 0 (شديد الفساد) و100 (شديد النزاهة)، بينما يبلغ المتوسط العالمي 42 نقطة، وهو أدنى مستوى يسجله المؤشر منذ أكثر من عشر سنوات، ما يشير إلى اتجاه عالمي مقلق، وإن كانت ليبيا ضمن الدول الأكثر تدهورا.

ووفق المؤشر، جاءت ليبيا ضمن قائمة أسوأ عشر دول عالميا، إلى جانب دول مثل كوريا الشمالية وسوريا واليمن والصومال وفنزويلا والسودان وإريتريا، فيما بلغ متوسط دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 39 نقطة، بينما لم يتجاوز متوسط الدول العربية 34 نقطة.

ويكشف هذا الفارق الواسع بين ليبيا والمتوسطين الإقليمي والعالمي اتساع الفجوة في معايير الحوكمة والشفافية، ويعزز الصورة السلبية للاقتصاد الليبي ومناخ الاستثمار، في وقت تحاول فيه البلاد الخروج من عقد من الأزمات السياسية والأمنية.

وخلال السنوات الأخيرة، حافظت ليبيا على تصنيف متدنٍ للغاية في مؤشر مدركات الفساد، ما يشير إلى أن الظاهرة لم تعد طارئة أو مرتبطة بمرحلة انتقالية مؤقتة، بل تحولت إلى بنية متجذرة داخل مؤسسات الدولة.
• 2020: 17 نقطة – المرتبة 173
• 2021: 17 نقطة – المرتبة 174
• 2022: 18 نقطة – المرتبة 171
• 2023: 18 نقطة – المرتبة 170
• 2024: 13 نقطة – المرتبة 173
• 2025: 13 نقطة – المرتبة 177
هذا المسار المتذبذب داخل قاع المؤشر يعكس غياب أي إصلاحات مؤسسية حقيقية، مقابل توسّع أنماط الفساد وتكيّفها مع الأوضاع السياسية المتغيرة.

يرى مراقبون أن الفساد في ليبيا تجاوز منذ سنوات كونه ممارسات فردية معزولة، ليصبح نظاما موازيا داخل الدولة، تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد، وتلعب فيه شبكات المصالح المحلية والخارجية دورا محوريا في حماية الامتيازات غير المشروعة.

ويذهب خبراء إلى أن القضاء الكامل على الفساد في ظل هذا الواقع يبدو أمرا بالغ الصعوبة، إلا أن تقليصه والحد من انتشاره يظل خيارا ممكنا إذا توفرت الإرادة السياسية وأدوات الحوكمة والمحاسبة الفاعلة.

ويُجمع مختصون على أن طبيعة الاقتصاد الريعي المعتمد على عائدات النفط لعبت دورا رئيسيا في تغذية الفساد، حيث أضعف غياب الإنتاج الحقيقي والضرائب الفعالة الرقابة المجتمعية، ورسّخ شعورا عاما بأن المال العام مورد سهل المنال، لا ثمرة جهد اقتصادي.

كما لم يكن الانقسام السياسي سببا مباشرا في نشأة الفساد، بقدر ما كان عاملا ساهم في توسيعه وتعقيد شبكاته، في ظل غياب دولة موحدة ومنظومة قانونية قادرة على فرض المحاسبة وضبط الإنفاق العام. ويشير محللون إلى أن نظام المحاصصة الجهوية والقبلية فاقم الأزمة، وحوّل المناصب والموارد إلى أدوات توزيع نفوذ بدلا من معايير الكفاءة.

على المستوى المؤسسي، ورغم قيام أجهزة رقابية بكشف عدد من المخالفات، يرى خبراء أنها لا تشكل منظومة متكاملة لمكافحة الفساد، بسبب ضعف التنسيق، وتضارب الاختصاصات، والاعتماد على أدوات تقليدية، إلى جانب غياب الرقابة الداخلية داخل الوزارات والهيئات نفسها.

ويُنظر إلى غياب نظام خزينة موحد، وموازنات قائمة على الأداء، وضعف المنظومة المالية للدولة، باعتبارها من أبرز الأسباب التي سمحت بظهور شبكات فساد قوية تحولت إلى ما يشبه “إمبراطوريات” يصعب المساس بها.

ولا يتوقف أثر الفساد عند حدود المؤسسات، بل ينعكس مباشرة على حياة المواطن، من خلال ارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات، وضعف البنية التحتية، وتآكل قيمة الدخل، في وقت تُهدر فيه مليارات الدينارات دون أثر تنموي ملموس.

الأخطر، بحسب مراقبين، هو التحول الثقافي الذي جعل الفساد لدى بعض الشرائح سلوكا مبررا بدوافع جهوية أو قبلية، أو باعتباره تعويضا عن غياب الدولة، ما خلق بيئة معادية للمحاسبة، وأسهم في تراجع سيادة القانون، مع آلاف الأحكام القضائية غير المنفذة.

ويرى خبراء أن أي مسار جاد لمكافحة الفساد في ليبيا لا يمكن أن ينجح دون إطار شامل للحوكمة يبدأ من القمة، ويشمل إصلاح القوانين، وتوحيد المؤسسات المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل دور المجتمع المدني كأداة ضغط ورقابة.

وبين واقع معقّد ومؤشرات دولية قاتمة، يبقى السؤال مطروحا بقوة: هل تملك ليبيا القدرة والإرادة للانتقال من إدارة الفساد إلى محاربته فعليا، أم أن الظاهرة ستظل جزءا من المشهد السياسي والاقتصادي لسنوات قادمة؟