أحكام دستورية تعمق الانقسام.. هل يفقد القضاء الليبي وحدته؟

0
116

تعيش ليبيا حالة من الجدل القانوني والسياسي عقب الأحكام الصادرة عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس بعدم دستورية أربعة قوانين أصدرها مجلس النواب، أبرزها القانون رقم 1 لسنة 2020 المتعلق بإلغاء التشريعات الصادرة عن المؤتمر الوطني العام بعد انتهاء ولايته، إلى جانب القوانين رقم 22 و32 لسنة 2023، وقانون العفو العام رقم 6 لسنة 2015، حيث قبلت المحكمة الطعون المقدمة ضد هذه القوانين وأمرت بنشر أحكامها في الجريدة الرسمية، مؤكدة أنها نهائية وملزمة لكافة السلطات.

وتعود جذور الأزمة إلى سلسلة تشريعات أصدرها مجلس النواب خلال السنوات الماضية لإعادة تنظيم السلطة القضائية. فقد صدر القانون رقم 22 لسنة 2023 لتعديل المادة الأولى من قانون نظام القضاء، مانحا البرلمان صلاحية تعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء بقرار منه، مع اعتبار النائب العام نائبا للرئيس، وإعادة تشكيل عضوية المجلس لتضم ممثلين منتخبين عن الهيئات القضائية. كما تبعه القانون رقم 32 لسنة 2023 الذي أقر تعديلات إضافية، من بينها إلزام رئيس المجلس الأعلى للقضاء المعين من مجلس النواب بأداء اليمين القانونية أمام رئاسة البرلمان، بينما يؤدي باقي الأعضاء اليمين أمام رئيس المجلس، إلى جانب إدخال تغييرات على آليات نقل أعضاء الهيئات القضائية وتشكيل المجلس.

كما شملت الأحكام إبطال القانون رقم 1 لسنة 2020، الصادر في 15 يناير من ذلك العام، والذي نص في مادته الأولى على اعتبار جميع القوانين والقرارات الصادرة عن المؤتمر الوطني العام بعد 3 أغسطس 2014 ملغاة، وهو تاريخ انعقاد أول جلسة لمجلس النواب، مع الإبقاء على التشريعات السابقة لهذا التاريخ إلى حين تعديلها أو إلغائها، وهي مادة ترتبط مباشرة بعدد من القوانين محل الطعن.

واعتبرت الدائرة الدستورية أن هذه التعديلات فقدت آثارها القانونية، بما في ذلك ما يتعلق بتركيبة المجلس الأعلى للقضاء وآلية أداء اليمين وصلاحيات نقل القضاة، وهو ما أعاد خلط الأوراق داخل المنظومة القضائية، وأثار مخاوف جدية من تصدع مؤسسة ظلت محافظة على وحدتها رغم انقسام بقية مؤسسات الدولة.

وفي أول رد فعل ميداني، نظم مئات القضاة ووكلاء النيابة وقفة احتجاجية أمام مجمع المحاكم في طرابلس رفضا لأحكام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس ودعما للمجلس الأعلى للقضاء، فيما أكد رؤساء وأعضاء الهيئات القضائية، في بيان موحد، تمسكهم بوحدة القضاء واستقلاله الكامل، مشددين على أن جميع الهيئات تتبع المجلس الأعلى للقضاء بتشكيلته الحالية باعتباره الجهة الوحيدة المختصة بشؤون أعضاء السلطة القضائية، مع الدعوة للوقوف صفا واحدا لمنع أي محاولة لتقسيم الجهاز القضائي أو العبث به.

سياسيا، وصف عضو مجلس النواب ميلود الأسود الحكم بأنه مخيب للآمال، داعيا إلى فتح مسار حوار قضائي شامل تقوده لجنة خبراء مستقلة لإجراء إصلاح حقيقي للمنظومة. واعتبر سفير ليبيا الأسبق محمد خليفة العكروت أن الصراع على المناصب تسلل إلى المؤسسة القضائية، مشيرا إلى أن قضايا حساسة باتت معلقة أو يتم التعامل معها بانتقائية، في صورة تعكس حجم الخلل القائم.

من جهته، أعرب التجمع الوطني للأحزاب الليبية عن قلقه العميق من تداعيات الحكم على وحدة القضاء وثقة المواطنين في العدالة، مؤكدا رفضه القاطع لتسييس السلطة القضائية أو الزج بها في الصراعات السياسية، ومشددا على ضرورة تحييد القضاء وصون استقلاله باعتباره الضامن الأساسي للحقوق والحريات.

كما اعتبر رئيس المؤسسة الليبية للإعلام محمد بعيو أن ما جرى يمثل صداما داخل السلطة القضائية نفسها، واصفا يوم صدور الحكم بأنه “يوم أسود في تاريخ قضاء ليبيا”، محذرا من أن هذه التطورات تقوض هيبة العدالة وتعمق الانقسام.

دوليا، حذرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من التداعيات الخطيرة للنزاع القائم على وحدة واستقلال القضاء، وذلك خلال اختتام اجتماعات مسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان ضمن الحوار المهيكل، حيث أكد المشاركون أن وجود قضاء موحد ومستقل يعد شرطا أساسيا لإجراء انتخابات ذات مصداقية، ولترسيخ سيادة القانون واستعادة ثقة الجمهور، داعين إلى تحصين السلطة القضائية من التدخلات السياسية والاستقطاب باعتبار ذلك ركنا رئيسيا لتحقيق المصالحة الوطنية والاستقرار.

ويرى مراقبون أن الأحكام جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع اتساع الخلاف بين مجلسي النواب والدولة، واستمرار محاولات إرباك خارطة الطريق الأممية، معتبرين أن ما يحدث يهدد جهود الحل السياسي ويعرقل تنظيم الانتخابات المؤجلة منذ سنوات، في ظل توافقات داخلية لقوى مستفيدة من استمرار الوضع القائم.

وبين تحذيرات أممية واحتجاجات داخلية وانقسام سياسي متجدد، يقف القضاء الليبي اليوم أمام اختبار مصيري، وسط مخاوف من أن يتحول من ركيزة لوحدة الدولة إلى ساحة جديدة للصراع، بما ينعكس مباشرة على مستقبل الاستقرار والمسار الديمقراطي في البلاد.