الصلابي يعود.. نية حقيقية أم سيعيد التاريخ نفسه؟

0
171

في أول ظهور إعلامي له بعد تعيينه مستشاراً لرئيس المجلس الرئاسي في ملف المصالحة الوطنية، قال عضو جماعة الإخوان المسلمين علي الصلابي، خلال لقاء مع قناة ليبيا الأحرار، إنه فتح منذ فترة حوارات مع كل ألوان الطيف الليبي، معتبراً أن تحركاته تأتي في إطار دعم خطاب السلم والمصالحة الوطنية.

وأكد الصلابي، خلال اللقاء، تمسكه بوصف ما جرى في 17 فبراير بأنه «ثورة شعب حقيقية»، رافضاً توصيفها بثورة «العملاء» أو «الناتو»، كما نفى أن يكون قد أصدر أو تبنى فتوى دينية تبرر تدخل حلف الناتو في ليبيا عام 2011، قائلاً إن الناتو “لا تحركه الفتاوى”.

وتندرج هذه التصريحات، في ظاهرها، ضمن خطاب سياسي تصالحي يسعى إلى إعادة التموضع في مرحلة جديدة، غير أنها تطرح في جوهرها جملة من الإشكاليات المرتبطة بمفهوم المصالحة ذاته، وبحدود شموليته، وبالسياق الذي يُقدَّم فيه.

أولى هذه الإشكاليات تتعلق بنطاق المصالحة المطروحة، فالمقاربات التي جرى تداولها في اللقاء الإعلامي ركزت بصورة غير مباشرة على بنغازي ومن خرجوا منها في سياق الحرب على تنظيم داعش، دون التطرق بشكل متوازن إلى ملف التهجير الواسع في مدن أخرى، مثل طرابلس وتاورغاء وترهونة وورشفانة وككلة وبني وليد والزاوية ومصراتة، وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري: هل تُبنى المصالحة على معالجة شاملة لكل تداعيات الصراع، أم على مسارات جزئية ذات أبعاد سياسية وجغرافية محددة؟

الإشكالية الثانية ترتبط بموقع الفاعل نفسه داخل مسار المصالحة. فالمعارف السياسية لمرحلة ما بعد 2011 تشير إلى أن الصلابي لم يكن مراقباً من خارج المشهد، بل كان جزء من التفاعلات السياسية والدينية والإعلامية التي أسهمت في تشكيل مسار الصراع، سواء في مرحلة إسقاط نظام القذافي أو خلال سنوات الانقسام اللاحقة، وهو ما يفتح نقاشاً مشروعاً حول معايير الحياد المطلوبة لقيادة أو توجيه مسار مصالحة وطنية.

كما أن الخطاب الذي قُدِّم في اللقاء بدا انتقائياً في استحضار التاريخ القريب، فالدور الذي لعبته التيارات الدينية والسياسية المؤثرة بعد 2011، والعلاقة المتشابكة مع التدخلات الخارجية، لم يخضع لمراجعة نقدية واضحة، بل جرى القفز عليه لصالح خطاب عام يركّز على النوايا الحالية أكثر من مساءلة الأدوار السابقة.

وفي هذا السياق، يبرز تناقض لم يُعالَج بشكل تحليلي، يتعلق بالانتقال من دعم أطروحات «المراجعات الإسلامية» التي أكدت في وقت سابق عدم جواز الخروج على نظام القذافي، إلى تبني خطاب داعم لإسقاطه دون تقديم تفسير فكري أو سياسي معلن لهذا التحول، وهذا النوع من التحولات، في سياقات المصالحة الوطنية، يُعد عنصراً مركزياً في بناء الثقة، لا تفصيلاً يمكن تجاوزه.

أما على مستوى الأداء الإعلامي، فقد أظهر اللقاء ضعفاً في مساءلة الخطاب المطروح، حيث غابت الأسئلة المرتبطة بالمسؤولية السياسية والأخلاقية لمختلف الفاعلين، لصالح مساحة واسعة لعرض رواية واحدة عن الأحداث، وهو ما لا ينسجم مع طبيعة ملف بحجم وتعقيد المصالحة الوطنية في ليبيا.

في المحصلة، لا تكمن إشكالية المصالحة الليبية في غياب الخطاب التصالحي، بل في غياب مقاربة شاملة تعترف بكل الضحايا، وتخضع كل الأدوار للمساءلة، وتفصل بين منطق المصالحة ومنطق إعادة التموضع السياسي، فالمصالحة التي لا تُبنى على الحقيقة والمحاسبة المتوازنة، تظل عرضة لأن تتحول من مشروع وطني جامع إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام بصيغ جديدة.