5 سنوات من أمل المصالحة الوطنية.. ولا تقدم يُذكر في ليبيا

0
132

تمر ليبيا بخمس سنوات من المحاولات المكثفة لإطلاق مسار المصالحة الوطنية، إلا أن الملف يظل متوقفاً أمام جدار الانقسامات السياسية العميقة، وسط تصاعد التوترات بين المؤسسات الرئيسية، وهو ما يجعل أي تقدم عملي في هذا المجال شبه مستحيل حتى الآن.

ففي الوقت الذي أطلق فيه المجلس الرئاسي ميثاق المصالحة الوطنية واعتبره خطوة نحو تحقيق السلم الاجتماعي والعدالة، بقيت هذه المبادرة رمزية إلى حد كبير، إذ لم تُترجم إلى إجراءات ملموسة على الأرض، كما تم إعلان السابع من يناير يوماً وطنياً للسلم والمصالحة، لتأكيد أهمية العملية على الصعيد الوطني، لكنها لم تمنع استمرار الجمود السياسي وغياب آليات واضحة لتنفيذ البنود الأساسية.

ويعكس المأزق الحالي على الساحة الليبية بشأن ازدواجية السلطة ونقص الشرعية الفعلية للمؤسسات حجم العراقيل التي تهدد المصالحة الوطنية، فبينما يصرّ المجلس الأعلى للدولة على احتكار الاختصاصات السيادية، خاصة فيما يتعلق بإدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، يعتبر المجلس الرئاسي هذه الخطوات أحادية وتهدد المسارات التوافقية، وفي المقابل، يواجه البرلمان تحديات مماثلة، إذ تجاوزت معظم الأجسام المنتخبة المدد القانونية التي انتخبت على أساسها، ما أضعف قدرتها على اتخاذ قرارات تنفيذية موحدة، وأسهم في استمرار الانقسامات.

وتجدد النزاع بين المجلسين، على خلفية إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية بشكل أحادي من قبل المجلس الأعلى للدولة، أظهر مدى حساسية المسألة الانتخابية في ليبيا، التي أصبحت رمزاً للنزاع على الشرعية والنفوذ، وقد عبّرت بعثة الأمم المتحدة عن قلقها من هذه الخطوة، محذرة من إعادة إنتاج أزمات سابقة، بينما شدد المجلس الأعلى للدولة على أن هذه الإجراءات تأتي ضمن اختصاصاته الدستورية، معتبراً أي تدخل خارجي في الملف محاولة لإضعاف السيادة الوطنية.

وتؤكد التطورات الأخيرة، بما فيها تصريحات مستشار المجلس الرئاسي زياد دغيم، أن مجلس النواب بقيادة عقيلة صالح ما زال ينتهج أسلوباً أحادياً يضع البرلمان فوق باقي المؤسسات، في تكرار لفهم قديم للمرحلة الانتقالية، مشابه لنمط تركيز السلطات قبل عام 2011، وفي المقابل، عمد المجلس الأعلى للدولة إلى حشد الدعم المحلي عبر لقاءات مع عمداء البلديات وأعيان المناطق الوسطى، لتثبيت سلطته على إدارة المفوضية، مؤكداً أن هذه الخطوات تصب في صالح إرادة الشعب الليبي نحو تحقيق انتخابات وطنية حرة ونزيهة، كخطوة لإنهاء المراحل الانتقالية المتأخرة.

ومن منظور التحليل البنيوي، يعكس الجمود المستمر في ملف المصالحة الوطنية عجز المؤسسات عن تجاوز الخلافات حول الشرعية وتوزيع الصلاحيات، وعدم وجود إطار قانوني وتنفيذي موحد قادر على تنفيذ المبادئ المتفق عليها، كما أن تدخل الفاعلين الدوليين، سواء الاتحاد الأفريقي أو البعثة الأممية، يظل محصوراً بدور الوساطة، دون القدرة على فرض حلول عملية، ما يترك الملف رهيناً بالموازين الداخلية والقدرة على التوافق بين الأطراف الليبية.

يُضاف إلى ذلك أن المسار الليبي يواجه تحديات هيكلية تتعلق بإعادة بناء الثقة بين الأطراف، وتفعيل آليات لجبر الضرر، ومتابعة تنفيذ المبادئ اليومية للميثاق، وهو ما لم يتحقق حتى الآن على الرغم من المؤتمرات واللقاءات التحضيرية التي عقدت برعاية الاتحاد الأفريقي خلال السنوات الماضية، في المقابل، تظهر دروس دول مثل رواندا أن المصالحة الوطنية تحتاج إلى آليات محلية واضحة، تدمج العدالة الانتقالية مع تعزيز الثقة على مستوى المجتمعات المحلية، وتسريع كشف الحقائق، وهو ما تفتقر إليه ليبيا حالياً.

وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن ليبيا عالقة في حلقة مفرغة من الجمود السياسي، حيث يبقى أي تقدم نحو المصالحة الوطنية مرتبطاً بقدرة الأطراف على التوصل إلى توافق حول الشرعية وتوزيع الصلاحيات، وضمان مشاركة فعالة لجميع الأطراف في إدارة الملفات الحساسة، خاصة الانتخابات والمفوضية الوطنية العليا.

ويرى مراقبون، أن الأمر يتطلب آليات واضحة لاحتواء النزاعات، وإعادة بناء الثقة بين المؤسسات، وإيجاد توازن بين الدور المحلي والدولي في دعم العملية السياسية، بما يتيح تحقيق أولى خطوات المصالحة الفعلية بعد سنوات من الانتظار.

وفي النهاية، تُظهر التجربة الليبية أن الميثاقات والبيانات الرمزية، بما فيها ميثاق المصالحة الوطنية واعتماد يوم وطني للسلم والمصالحة، تبقى دون جدوى إذا لم تترافق مع إرادة سياسية صادقة، وآليات تنفيذية واضحة، وإصلاح شامل للبيئة المؤسسية، وهو ما يوضح لماذا لا يزال ملف المصالحة الوطنية منذ خمس سنوات، رغم كل الجهود الرسمية والدولية، في دائرة الجمود نفسها، وسط مخاوف من تصاعد الانقسامات وتعقيد عملية الانتقال السياسي في البلاد.