المصالحة الوطنية في ليبيا.. متى تنجح؟ وما أسباب عرقلتها؟

0
199
علم ليبيا
علم ليبيا

منذ أكثر من عقد، تظل المصالحة الوطنية أحد أعقد الملفات في المشهد الليبي، باعتبارها المدخل الرئيسي لإنهاء الانقسام واستعادة الاستقرار وبناء دولة موحدة. ورغم تعدد المبادرات وتباين المسارات، لم ينجح هذا الملف حتى الآن في تحقيق اختراق حقيقي، وبقي رهين التجاذبات السياسية وتضارب الصلاحيات بين المؤسسات، ما انعكس على غياب نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.

في هذا السياق، اعتمد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، اليوم الأربعاء في العاصمة طرابلس، الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية، بحضور أعضاء المجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية وممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة لدى ليبيا. واعتبر المنفي أن الميثاق يمثل ثمرة جهد وطني وإرادة جماعية آمنت بأن استقرار ليبيا لا يمكن أن يتحقق إلا بالحوار والتسامح وتغليب المصلحة العامة، مؤكدًا أن توقيعه لا يمثل نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب العمل على تحويل نصوصه إلى واقع عملي ينعكس على حياة المواطنين.

وأكد المنفي دعمه للمجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية، المنشأ بموجب ميثاق السلم والمصالحة، مشددًا على دوره في متابعة تنفيذ بنود الميثاق وضمان استمراريته، بما يحقق أهداف السلم الاجتماعي والعدالة وجبر الضرر وتعزيز الثقة بين الليبيين. كما أعلن اعتماد السابع من يناير يومًا وطنيًا للسلم والمصالحة، معتبرًا أن المصالحة خيار استراتيجي وواجب وطني وتاريخي لا يحتمل التأجيل.

وكان مجلس النواب الليبي قد أقر، في يناير الماضي، قانون المصالحة الوطنية خلال جلسة رسمية عقدت في بنغازي، بأغلبية أعضائه، في خطوة هدفت إلى وضع إطار تشريعي لمعالجة آثار الصراع وترميم النسيج الاجتماعي. غير أن المجلس الرئاسي وصف هذه الخطوة حينها بأنها إجراء أحادي وتسييس للمشروع، في ظل وجود مقترح آخر كان قد تقدم به إلى البرلمان، ما عمّق الخلاف حول الجهة المخولة بقيادة هذا الملف الحساس.

وبموجب الاتفاق السياسي، يُعد ملف المصالحة الوطنية من ضمن المهام الأساسية للمجلس الرئاسي، إلا أن هذا الدور ظل محل انتقاد، في ظل فشل المجلس حتى الآن في تحقيق مصالحة شاملة أو إطلاق مسار تنفيذي واضح، رغم مرور سنوات على تسلمه مهامه. هذا التعثر ساهم في إبقاء المصالحة حبيسة البيانات والمواثيق، دون أن تترجم إلى إجراءات عملية على الأرض.

كما شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في فبراير الماضي، توقيع “ميثاق السلام والمصالحة الوطنية” تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، إلا أن غياب أطراف رئيسية عن مراسم التوقيع أثار تساؤلات حول مدى شمولية الاتفاق وقدرته على الصمود. وتزامن ذلك مع استمرار الانقسام المؤسسي وتأخر الاستحقاقات الانتخابية، ما أضعف فرص بناء مسار وطني جامع للمصالحة.

وتواجه عملية المصالحة في ليبيا تحديات متراكمة، أبرزها تضارب المسارات بين المؤسسات، وضعف الثقة بين الفاعلين السياسيين، وغياب آليات واضحة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، خاصة في ملفات العدالة الانتقالية وجبر الضرر ودمج المتضررين في مسار وطني واحد. كما أن استمرار الخلافات السياسية يجعل أي مبادرة عرضة للتعطيل أو التوظيف السياسي.

وفي قراءة تحليلية للمشهد، يظهر أن أزمة المصالحة الوطنية لا تتعلق بنقص القوانين أو المواثيق، بقدر ما ترتبط بغياب الإرادة السياسية الجادة وتغليب الحسابات الضيقة على المصلحة العامة. فبدل أن تتكامل مبادرات البرلمان والمجلس الرئاسي ضمن مسار واحد، تحولت إلى أدوات صراع على الصلاحيات، ما أفقد المصالحة زخمها وصدقيتها.

كما يكشف الواقع أن نجاح أي مسار للمصالحة يظل مرهونًا بربطه بإطار دستوري وانتخابي توافقي، وبمشاركة حقيقية لكل المكونات السياسية والاجتماعية، بعيدًا عن الإقصاء أو الفرض. ودون ذلك، ستبقى المصالحة الوطنية عنوانًا حاضرًا في الخطاب السياسي، فيما يظل الفشل في تنفيذها شاهدًا على عمق الأزمة الليبية وتعقيد مسارات حلها.