في ظل استمرار الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول الصلاحيات المتعلقة بالمناصب السيادية، برز ملف رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات مجددًا كأحد أبرز نقاط التوتر بين الطرفين، وسط تبادل للاتهامات بشأن الاختصاص القانوني، وتعطّل الاستفتاء على مشروع الدستور.
ويؤكد مجلس النواب الليبي أنه الجهة المخوّلة، وفقًا للاتفاقيات السابقة، باختيار شاغلي المناصب السيادية بعد التوافق مع مجلس الدولة، وهو ما يجعل قرار الأخير بعقد جلسة رسمية لانتخاب مجلس مفوضية جديد محل طعن قانوني، ويشوبه الكثير من العوار.
وقال عضو مجلس النواب، عبد الناصر النعاس، إن اختيار رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات يُعد اختصاصًا أصيلًا لمجلس النواب، ولا يندرج ضمن صلاحيات المجلس الأعلى للدولة، موضحًا أن التشاور مع مجلس الدولة يقتصر على كونه استشارة غير ملزمة.
وشدد النعاس، في تصريحات تلفزيونية، على أن أي تجاوز من مجلس الدولة لهذا الإطار يُعد أمرًا مرفوضًا، مؤكدًا أن فرض آراء وصفها بغير القانونية بات يشكل مصدرًا لقرارات المجلس الأعلى للدولة. كما أشار إلى استمرار حكومة عبد الحميد الدبيبة في اتخاذ قرارات منفردة، دون تسجيل اعتراض أو إدانة من البعثة الأممية.
وعقد المجلس الأعلى للدولة جلسة رسمية خُصصت لانتخاب رئيس وأعضاء مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ضمن خطوات استكمال تشكيل مجلس المفوضية، في خطوة أثارت اعتراضات برلمانية واسعة، لا سيما أنها جاءت عقب تصعيد من مجلس الدولة ضد رئيس المفوضية الحالي عماد السائح.
وجاء هذا التصعيد من جانب مجلس الدولة المحسوب على جماعة الإخوان ضد السائح بعد ساعات قليلة من تصريحاته التي نفى خلالها مسؤوليته عن تعطيل الاستفتاء على الدستور عام 2018، محمّلًا مجلس الدولة وحكومة الوفاق آنذاك المسؤولية الكاملة عن عرقلته.
وأصدرت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بيانًا ردًا على ما أُثير بشأن عدم التزامها بتنفيذ الاستفتاء على مشروع الدستور، مؤكدة أن هذه الادعاءات تستهدف زعزعة ثقة الليبيين بالمؤسسة، ومشددة على أن مجلس المفوضية لم يكن طرفًا في أي عرقلة للاستفتاء.
وأوضحت المفوضية أن مجلس النواب أصدر التعديل الدستوري العاشر في نوفمبر 2018، وأُحيل القانون رقم (6) لسنة 2018 الخاص بالاستفتاء إليها مباشرة، حيث باشرت المراجعة الفنية للمواد تمهيدًا لإصدار اللوائح التنظيمية اللازمة.
وأضاف البيان أنه، رغم مطالبة المجلس الأعلى للدولة في ديسمبر 2018 بوقف تنفيذ القانون، لم تلتزم المفوضية بذلك، وقدمت في يناير 2019 مقترحات لتعديل بعض المواد، جرى اعتمادها لاحقًا ضمن القانون رقم (1) لسنة 2019.
وأشار البيان إلى أن المفوضية طلبت تمويلًا بقيمة 40 مليون دينار ليبي من حكومة الوفاق الوطني لتغطية تكاليف الاستفتاء، إلا أن رئيس الحكومة رفض توفير التمويل، كما لم تُفضِ الجهود اللاحقة إلى إقناع الأطراف المعرقلة بالمضي قدمًا في تنفيذ الاستفتاء.
كما لفتت المفوضية إلى أن التعديل الدستوري الثاني عشر الصادر عام 2022 نص على إحالة مشروع الدستور المعدل إليها مباشرة، إلا أن اللجنة المكلفة لم تتوصل إلى توافق بشأن التعديلات، ولم يُحال المشروع إلى المفوضية حتى الآن، ما حال دون استئناف إجراءات الاستفتاء.
وشهدت جلسة مجلس الدولة، في إطار تصعيده ضد مجلس مفوضية الانتخابات، مشاركة 107 أعضاء، صوّت منهم 105 أعضاء على اختيار أعضاء مجلس المفوضية ورئيسها، وفق الآليات المعتمدة داخل المجلس، وأسفرت نتائج التصويت على اختيار صلاح الكميشي رئيسا لمفوضية الانتخابات بـ63 صوتا مقابل 33 صوتا للعارف التير.
وفي موازاة ذلك، أثارت تصريحات أدلت بها عضوة المجلس الأعلى للدولة، أمينة المحجوب، جدلًا واسعًا، إذ قالت إن المجلس سيفرض المناصب السيادية في ليبيا بالقوة، معتبرة أن مقرات هذه المناصب تقع في العاصمة طرابلس، وأن مجلس النواب لن يتمكن من إنشاء فروع موازية لها، وأضافت أن من «نقض العهد منذ البداية هو مجلس النواب وليس مجلس الدولة».
يذكر أن المجلس الأعلى للدولة يُعد جهة استشارية وفقًا للاتفاق السياسي الليبي، ولا يملك أي صلاحيات تشريعية أو اختصاصات تخوّله سن القوانين أو اختيار شاغلي المناصب السيادية، بما في ذلك رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وأن الجهة التشريعية الوحيدة المخوّلة قانونًا بهذه الصلاحيات هي مجلس النواب، على أن يتم ذلك بعد التشاور مع مجلس الدولة دون أن يكون لهذا التشاور صفة الإلزام أو حق الفرض.


