تظاهرات حتى الرحيل.. لماذا تتكرر الاحتجاجات ضد حكومة الدبيبة في طرابلس؟

0
360

تشهد العاصمة الليبية طرابلس، منذ أكثر من أسبوع، موجة احتجاجات متواصلة تطالب بإسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في مشهد لم يعد استثنائياً أو عابراً، بل يعكس تحوّلاً أعمق في المزاج العام داخل مناطق كانت تُعدّ، حتى وقت قريب، حاضنة سياسية واجتماعية للحكومة.

ويشير تكرار هذه التظاهرات، واتساع رقعتها لتشمل مدناً أخرى في غرب البلاد مثل مصراتة والزاوية، إلى أزمة شرعية متراكمة تتجاوز المطالب المعيشية المباشرة، وتمس جوهر المسار السياسي القائم.

اللافت في هذه الاحتجاجات أنها لا ترفع مطالب فئوية أو خدمية محدودة، بل تتجه مباشرة نحو تحميل السلطة التنفيذية مسؤولية الانسداد السياسي، واستمرار المرحلة الانتقالية دون أفق زمني واضح.

وعلى الأرض بات الشارع الليبي، الذي راهن في وقت سابق على حكومة الوحدة باعتبارها مدخلاً لإنهاء الانقسام وتهيئة البلاد للانتخابات، اليوم أكثر تشككاً في قدرتها أو رغبتها في الوفاء بتعهداتها الأساسية، وعلى رأسها إجراء الانتخابات العامة التي تعثرت منذ ديسمبر 2021.

ويعكس تزامن التصعيد الشعبي مع تحركات ميدانية أمام مقر بعثة الأمم المتحدة في جنزور، بدوره تراجع الثقة في دور الوساطة الدولية، وازدياد الشعور بأن المسارات الأممية المتعاقبة لم تنتج حلولاً ملموسة، بل ساهمت في إدارة الأزمة بدل حلّها، وهو تداخل ما يمنح التظاهرات بُعداً سياسياً مركباً، يضع كامل المنظومة الحاكمة، المحلية والدولية، في دائرة المساءلة الشعبية.

وفي مدن مثل مصراتة، التي تمثل ثقلاً سياسياً واجتماعياً مهماً في الغرب الليبي، اكتسبت التظاهرات دلالة إضافية، إذ عكست انتقال حالة الغضب من الأطراف إلى المراكز المؤثرة، ما يعني أن هذا التحول يضعف قدرة الحكومة على التعامل مع الاحتجاجات باعتبارها محدودة أو قابلة للاحتواء، ويؤشر إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بسوء إدارة ملفات خدمية فقط، بل بتآكل القبول الشعبي لفكرة “السلطة المؤقتة المفتوحة”.

ويرى مراقبون، أن تكرار الاحتجاجات يكشف عن حالة إرهاق عام من النخب السياسية القائمة، حيث لم يعد الغضب موجهاً إلى حكومة بعينها فقط، بل إلى مجمل الأجسام السياسية التي استمرت في إدارة المرحلة الانتقالية دون تفويض انتخابي متجدد، وهذا ما يفسر تصاعد الدعوات إلى إسقاط جميع الأجسام السياسية، واعتبار الانتخابات الخيار الوحيد القادر على إعادة إنتاج شرعية حقيقية.

ورغم أن هذه التحركات تضعف الموقع السياسي لرئيس الحكومة، فإنها لا تعني بالضرورة اقتراب انهيار حكومته، في ظل امتلاكها أدوات السلطة التنفيذية والموارد المالية، وغياب بديل توافقي جاهز لملء الفراغ، يرى متابعون أن استمرار الضغط الشعبي بهذا الزخم، وبهذا الانتشار الجغرافي، يضيّق هامش المناورة أمام حكومة عبدالحميد الدبيبة، ويفرض واقعاً جديداً يصعب تجاهله أو احتواؤه بإجراءات شكلية.

في المحصلة، تعكس تظاهرات طرابلس ومدن الغرب الليبي لحظة سياسية فارقة، عنوانها الأساسي فقدان الثقة في المسار الحالي، والرغبة في كسر حلقة الانتقال المفتوح، وبالتالي فإنه إذا استمرت هذه التحركات دون استجابة سياسية حقيقية، فإنها مرشحة إما لفرض تغيير في قواعد اللعبة، أو للدخول في مرحلة أكثر تعقيداً من الصدام بين الشارع والسلطة.