الحوار المهيكل في ليبيا… هل يمثل فرصة حقيقية للتغيير أم مجرد تجربة استشارية؟

0
287

اختتمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الجلسات الافتتاحية للحوار المهيكل التي عقدت يومي 14 و15 ديسمبر في طرابلس، بمشاركة 124 عضواً يمثلون مختلف شرائح المجتمع الليبي، بينهم 81 رجلاً و43 امرأة و13 شاباً، إضافة إلى ممثلين عن المكونات الثقافية واللغوية وذوي الإعاقة.

وفي كلمتها، رحبت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، بالمشاركين مؤكدة أهمية انعقاد الحوار داخل ليبيا، وموضحة أن العملية تهدف إلى إيصال صوت الشعب الليبي والمساهمة في صياغة برنامج العمل الوطني ومستقبل البلاد. وأشارت تيتيه إلى أن الحوار المهيكل يُعقد استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2796 لسنة 2025، ويعد ركناً أساسياً في خارطة الطريق التي تُيسّرها البعثة الأممية لتسهيل الانتخابات الوطنية وتوحيد مؤسسات الدولة وتعزيز المصالحة الوطنية.

وقالت تيتيه إن المشاركين تم اختيارهم عبر عملية دقيقة شملت ترشيحات البلديات والأحزاب السياسية والجامعات والمؤسسات الفنية والأمنية والثقافية، إضافة إلى الترشيحات الطوعية من أكثر من ألف ليبي مهتم بالحوار، مؤكدة أن النساء يمثلن نحو 35% من المشاركين، مع أهمية إشراك الشباب وذوي الإعاقة لضمان تمثيل أوسع للأصوات المختلفة في المجتمع الليبي.

وأضافت أن الحوار سيُقسم إلى أربعة محاور رئيسية: الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، على أن تُعقد جلساته على مدار أربعة إلى ستة أشهر بدءاً من يناير 2026، بهدف تقديم توصيات ملموسة لمعالجة القضايا العاجلة ومقترحات سياسية وتشريعية لمعالجة النزاع طويل الأمد وصياغة رؤية وطنية للاستقرار.

ويرى الباحث والمحلل السياسي إبراهيم بلقاسم أن الحوار المهيكل يهدف لمناقشة القضايا الأكثر إلحاحاً في الأزمة الليبية، لكنه لا يملك صلاحية تشكيل حكومة جديدة أو تغيير السلطة التنفيذية، مشيراً إلى أن المسارات الأربعة تشمل الحوكمة والاقتصاد، الإصلاحات الأمنية، المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، حيث يناقش المشاركون مسائل مثل الدمج والتفكيك ودعم المؤسسات العدلية والشرطية وتمكين الضحايا وملاحقة الجناة. ولفت بلقاسم إلى أن نجاح الحوار يعتمد على جديته وفاعليته في طرح الملفات المهمة وقدرته على تقديم حلول قابلة للتطبيق، مع مراعاة الانقسامات السياسية ومحدودية مشاركة الأطراف الأساسية في النزاع.

من جانبه، اعتبر محمد المبشر، رئيس مجلس حكماء ليبيا، أن الحوار يجب تقييمه على أساس قدرته الفعلية على تغيير سلوك الفاعلين السياسيين، لا على حسن نواياه أو لغته، محذراً من أن الحوار قد يكون أنيق الشكل لكنه هشّ الأثر إذا لم يُصاحب بإرادة سياسية وأدوات تنفيذية واضحة. وأكد أن نجاح الحوار يعتمد على الإجابة الواضحة عن أسئلة الالتزام والتنفيذ، محذراً من أن غياب هذه الإجابات سيجعل مخرجات الحوار مجرد تجربة نظرية.

أما الكاتب الصحفي أكرم النجار، فأوضح أن البعثة الأممية تعمل في بيئة سياسية وعسكرية صعبة، حيث الانقسام الحاد بين الأطراف يعيق أي تقارب حقيقي للأفكار أو حلول للأوضاع المنقسمة والمتأزمة. وأكد أن الحوار الحالي يشكل مرحلة تمهيدية لتوليد الأفكار التي قد تُدرج لاحقاً ضمن إطار عمل رسمي، لكنه لا يعكس الواقع السياسي والمعيشي الراهن، لافتاً إلى أن استمرار الوضع الحالي يخدم مصالح الأطراف الدولية والمحلية ويؤجل أي تغيير حقيقي.

وشدد النجار على أن الشعب الليبي هو الأكثر تضرراً، وأن صناعة التغيير أو إنهاء الحالة العبثية الحالية تقع على عاتق المواطنين أنفسهم من خلال المشاركة الفاعلة في بناء الدولة وتنفيذ القرارات العامة، بما في ذلك الانتخابات القادمة كأساس لتجديد الشرعية السياسية وتعزيز الاستقرار والتنمية.

يبقى السؤال الأبرز: هل يستطيع الحوار المهيكل أن يتحول إلى أداة فعلية للتغيير الجذري في ليبيا أم سيظل تجربة استشارية محدودة التأثير، كما حدث في تجارب سابقة؟ نجاح هذا الحوار التاريخي يعتمد على التزام المشاركين، وإرادة الأطراف السياسية، ووجود آليات واضحة لتنفيذ التوصيات التي سيخرج بها، ليكون خطوة حقيقية نحو تحقيق الاستقرار المستدام.