هل أصبحت حياة النساء في غرب ليبيا رهينة الفوضى الأمنية؟

0
402

فتحت جريمة اغتيال خنساء المجاهد، زوجة عضو لجنة الحوار السياسي السابق معاذ المنفوخ، بابًا جديدًا من الأسئلة الثقيلة حول جدوى المنظومة الأمنية في غرب ليبيا، وحجم الفوضى التي باتت تهدد حياة المواطنين خصوصًا النساء في وضح النهار ودون رادع.

في حادثة هزّت الرأي العام، أقدم مسلحون مجهولون على إطلاق النار مباشرة على سيارة خنساء في منطقة السراج غرب طرابلس، ما اضطرها للنزول ومحاولة الهرب ركضًا، قبل أن يلحقوا بها ويصيبوها برصاصة في الرأس أدت إلى مقتلها على الفور، تاركة خلفها طفلة لم تكمل شهرها الرابع. مشهدٌ صادم أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: من يحمي المدنيين في العاصمة؟

هذه الجريمة لم تكن حدثًا منفصلًا، بل جاءت ضمن سلسلة دامية شهدتها المنطقة خلال أقل من شهر. فقد سُجل العثور على جثة زوجة المهرّب عبدالله الدباشي مدفونة داخل منزله في صبراتة، وقتل الدكتورة أماني جحا في مصراتة على يد شقيقها وبمشاركة زوجها وابن عمها، إضافة إلى جريمة مقتل فتاة في غوط الشعال برصاص عنصر من الأمن العام، ثم العثور على امرأة أجنبية مجهولة الهوية ملقاة داخل حوض سباحة في وادي الربيع. تكرار هذه الجرائم يشي بأن الوضع الأمني لم يعد مجرد خلل عابر، بل انهيار ممنهج تُسقطه الوقائع اليومية على المواطنين بلا رحمة.

تنامي هذه الاعتداءات أثار مخاوف واسعة لدى الحقوقيين، الذين أكدوا أن النساء أصبحن في قلب دائرة الخطر. ويرى ناشطون أن غياب المحاسبة الفعّالة رسّخ ثقافة الإفلات من العقاب، وأن استمرار الجرائم دون نتائج تحقيق واضحة جعل الإحساس بالأمان يتلاشى تدريجيًا. فحتى داخل نطاق مكتظ بالبوابات الأمنية ونقاط التفتيش، كما وصفت عضو مجلس النواب ربيعة أبو راس، تقع الجرائم بلا رادع، ما يطرح علامات استفهام حول جدوى هذه الإجراءات وقدرتها على حماية الناس.

شهادة أبو راس نفسها، التي صادف وجودها في مكان حادث خنساء لحظة وقوعه، كانت دليلًا إضافيًا على الارتباك الأمني. قالت إنها لم تتخيل أن الازدحام أمامها كان يخفي جريمة قتل نفذت بهذه السهولة، معتبرة أن ما تشهده العاصمة اليوم يتجاوز حدود المتوقع، وأن الخوف بات عنصرًا ملازمًا لحياة المواطنين اليومية، حتى خلال تنقلهم المعتاد.

ردود الفعل الدولية لم تتأخر، فقد أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا “بشدة” مقتل خنساء المجاهد، واعتبرته جريمة تبرز الحاجة الملحة إلى وقف العنف ضد النساء وضمان المساءلة. ودعت البعثة إلى تحقيق سريع وشفاف، وإلى إجراءات صارمة لمواجهة هذا النمط من الجرائم. من جانبها، حمّلت منظمة رصد الجرائم حكومة الوحدة الوطنية المسؤولية القانونية عن حماية المدنيين، مؤكدة أن القتل جاء خارج نطاق القانون وطالبت بتحقيق فوري وشامل.

كما لاقت الجريمة صدى واسعًا لدى الإعلاميين، إذ وصفت الإعلامية زينب تربح الحادثة بأنها “جرس إنذار” يعكس حجم الفوضى وتلاشي دور الدولة. وأشارت إلى أن استهداف امرأة في وضح النهار يُظهر أن وحش العنف بات يتجوّل بلا رادع، وأن القضايا لم تعد تخص النساء وحدهن، بل مجتمعًا كاملًا فقد بوصلته.

تراكم هذه الوقائع يعيد طرح السؤال الملح: إلى أين تتجه المنظومة الأمنية في غرب ليبيا؟
ففي ظل انتشار السلاح خارج إطار الدولة، وتعدد الجهات المسلحة، وضعف الردع القانوني، يبدو أن النساء—ومعهن عموم المواطنين أصبحوا الحلقة الأضعف في مشهد مضطرب لا يرحم. دون تحقيقات شفافة ومحاسبة حقيقية، يخشى مراقبون أن تتحول هذه الحوادث من صدمات فردية إلى “روتين دموي” يعتاد عليه الشارع الليبي، في بلد تُترك فيه الحياة رهينة للمسلحين، والمصير معلقًا على قرارات بلا نفاذ.